مصري فيت

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته نامل ان تكون في اتم صحه وعافيه
مصري فيت

منتدي لعلوم الطب البيطري وما يشملها


    كتاب اصول الفقه الذي لايسع الفقيه جهله-1

    شاطر

    admin
    Admin

    المساهمات : 2529
    تاريخ التسجيل : 22/03/2010
    العمر : 56
    الموقع : O.KATTAB@YAHOO.COM

    كتاب اصول الفقه الذي لايسع الفقيه جهله-1

    مُساهمة من طرف admin في الجمعة مارس 06, 2015 11:35 pm

    ملخص كتاب
    أصول الفقه الذي لا يسع الفقيهَ جهلُه
    د. عياض السلمي

    ابتدأ المصنِّف كتابه بحمد الله والثناء عليه، والإقرار بكلمة التوحيد، والتذكير بالمحجَّة البيضاء، التي تركَنا عليها رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم.

    ثم ذَكَر أنَّ مناسبة التصنيف هي الاستجابةُ لطلب كثير من الإخوان لتأليف كتاب في أصول الفقه يكون متوسطَ الحجم، واضحَ العبارة، جامعًا لأهمِّ مسائل هذا العلم، وقد تجنَّب فيه الإطالةَ في مسائل الخلاف، واعتنى ببيان حقيقته وثمراته، وتصحيح أوهام المشتغلِين به بتوضيح مسائله.

    وقد خالف أكثرَ الأصوليِّين في بعض التوجهات حسب ما يعتقده من الحق، أو تصحيحًا للمفاهيم، ولم يُثقل الكتابَ بالهوامش والحواشي، بل اقتصر على توثيق المعلومات التي لا يتكرَّر وجودها في كتب التخصُّص، أو التي فيها شيءٌ من الغرابة، وعلى عزو الحديث لمن خرَّجه في الصُّلْب، وإذا خُرِّج في الصحيحين أو أحدهما اكتفى به، كل هذا رشَّح الكتاب ليندرج ضمن مناهج التدريس بكليات الشريعة وأصول الدين في الجامعات السعودية.

    وأبوابه كالآتي:
    التمهيد: التعريف بأصول الفقه.
    الباب الأول: الحكم الشرعي.
    الباب الثاني: أدلة الأحكام الشرعية.
    الباب الثالث: دلالة الألفاظ.
    الباب الرابع: التعارض وطرق دفعه.
    الباب الخامس: الاجتهاد.
    الباب السادس: التقليد.

    وقد أنهى المصنف مقدمته بطلب الإخلاص والتوفيق من الله - عزَّ وجلَّ.

    ♦ ♦ ♦

    التمهيد
    تعريف بأصول الفقه
    1- نشأة أصول الفقه:
    كانت القواعد العامة لأصول الفقه موجودةً منذ عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان سليقةً عند الصحابة؛ لضلوعهم في اللغة، وحُسْن استيعابهم للنصوص، وتلقيهم المباشر من النبي - صلى الله عليه وسلم - أمَّا بعد وفاته، فكانوا يجتهدون في النوازل بعَرْضها على ما تلقَّوه، وكذلك فعل كبار التابعين، لكن في آخر القرن الثاني أصبح "أصول الفقه" علمًا مستقلاًّ عن غيره من علوم الشريعة.
    ظهر الاختلاف في المدارس الفقهية في أواخر عهْد التابعين، فكان الناس يسألون علماءَ هذه المدارس عن أمور دينهم، ولا ينكر أحدُهم على الآخر عندَ الاختلاف، وإذا تناظروا فإمَّا يرجع أحدهم إلى قول صاحبه، أو يبقى على رأيه؛ لقناعته بصحَّته، لا تعصبًا لرأيه، وقد تميَّز في كل منطقة عالِم في الفتيا والقضاء.
    لكنَّ طُلاَّبهم تأثروا بهم، وتعصبوا لرأيهم، وكثر اختلاط العَجَم بالعرب، وضَعُف اللسان العربي، ودخل الوضع في الحديث؛ للانتصار للرأي، ولم تكن هناك قواعدُ للترجيح، فوضع الإمام الشافعي - رحمه الله - قواعدَ لفَهْم نصوص الكتاب والسُّنة، تُسعِف الفقيه عند تعارض الأدلَّة عنده، ثم تتابع بعده التأليف في هذا العِلم؛ ليزدهر في القرنين الخامس والسادس، والذي انتشرتْ في أواخره المختصرات والشروح، التي ضعُفتْ همم الناس عن دراستها في العصر الحديث، فاحتاجوا إلى نوْع جديد من المؤلفات الجاهزة واليسيرة، ومنها هذا المصنَّف الذي قرَّب بيْن أصول الفِقه من علوم الآلة، وبيْن ثمرته في الفقه.
    ولا داعي للتخوُّف من ابتعاد الناس عن كتب التراث واستيحاشها بتركيزهم على المؤلَّفات الحديثة، ما دامتْ هذه الأخيرة تمكِّن من التفقه في الدين، خصوصًا وأن العقل يقتضي البحثَ عن الحق بأيسر الطرق، لكن هذا لا يعني الاكتفاءَ بكُتب المتأخِّرين، وإقصاء كُتب المتقدِّمين، إنما الحكمة ضالَّة المؤمن، فأنَّى وجدَها فهو أحقُّ بها.
    2- تعريف أصول الفقه:
    يعرَّف هذا العلم باعتباره مركبًا إضافيًّا، وباعتباره عَلَمًا على عِلم مخصوص من علوم الشريعة.
    أ-تعريف أصول الفقه باعتباره مركبًا إضافيًّا:
    "أصول الفقه" مركَّب من مضاف، ومضاف إليه، وتعريفه يقتضي معرفةَ جُزأيه:
    تعريف الفقه:
    الفقه في اللغة: الفَهْم.
    وفي الاصطلاح: "العلم بالأحكام الشرعيَّة العملية، المكتسب من أدلتها التفصيليَّة".
    فالعلم المكتسَب هو الحادث الذي يحصل باجتهادٍ في الأدلة التفصيليَّة، وهي الأدلَّة الجزئية الخاصَّة بكلِّ مسألة فقهيَّة، فكلمة الفِقه في عُرْف القرآن والسُّنة، وعرْف الصحابة والتابعين لها علاقةٌ بالأحكام الشرعية، الناتجة عن الاجتهاد، دون التفريق بيْن الأحكام الاعتقادية والعملية، وعند المتأخِّرين تُطلق على جميع الأحكام العمليَّة، التي يشترك في معرفتها الخاصُّ والعام من المسلمين.
    وعلى هذا، فالفقيه مَن عَرَف تلك الأحكام، سواء باجتهاد، أو بتقليد لإمام من الأئمَّة، وليس المراد هو علم الأحكام كلها، فهذا لا يتأتَّى إلا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإنما المطلوب هو حضورُ أكثرها في ذهْن الفقيه، وقدرته على استنباط بعضها بالاجتهاد.
    تعريف الأصول:
    الأصول لغة: جمع أصْل، وهو ما يُبنَى عليه غيرُه.
    وفي الاصطلاح: أُطلق لفظُ الأصل على عدَّة معان، أهمها ما يلي:
    الدليل: كما يقول الفقهاء: الأصْل في هذه المسألة الكتاب والسُّنة والإجماع.
    القاعدة المستمرَّة: كما يقول الأصوليُّون: الأصل أنَّ الخاص مقدَّم على العام عند التعارُض.
    الراجح: كما يقول الأصوليُّون: الأصْل بقاء ما كان على ما كان.
    مخرج المسألة الفرضية: كما يقول الفرضيون: أصْل هذه المسألة كذا.
    المقيس عليه: وهو أحدُ أركان القياس.
    وأقربُ هذه المعاني لإطلاق الأصْل هنا هو المعنى الأول، ثم الثاني.
    ب- تعريف أصول الفقه باعتباره عَلَمًا:
    عرَّفه الرازي بأنه: "مجموع طُرق الفقه الإجمالية، وكيفيَّة الاستفادة منها، وحال المستفيد"؛ أي: إنَّه مجموع الطُّرق الإجمالية التي توصل المجتهدَ إلى استفادة الأحكام الشرعيَّة العملية من أدلَّتها التفصيلية، والأولى أن يُستعاض في التعريف عن لفظ الكيفية بلفظ صِفة، وعن"طرق الفقه" بـ"أدلَّة الفقه".
    3- موضوع أصول الفقه: يظهر من تعريف أصول الفقه باعتباره علَمًا، أن له ثلاثة موضوعات رئيسة:
    • طرق الفقه على سبيل الإجمال، ويُقصد بها الأدلَّة بنوعيها القطعي والظني.
    • صفة الاستفادة منها، وهذا يُعرف عند المتأخِّرين بطرق الاستنباط.
    • صفة المجتهد والمقلِّد وأحكامهما.
    4- فوائد علم أصول الفقه:
    • التفقه في الدين بتطبيق قواعد أصول الفِقه على الأدلَّة التفصيليَّة، فلا يعني جمعَ الفقه بواسطة العلماء السابقين أنَّه لم تبقَ حاجة لدراسة علم أصول الفقه، بل هو ضروري لنقْد الأقوال والترجيح.
    • معرفة الحُكم الشرعي لكلِّ ما يَجِدُّ من الحوادث والوقائع، مثل الاستنساخ.
    • معرفة أسرار الشريعة بالتأمُّل في عِلل الأحكام ومقاصدها، ومراعاة المصالِح والمفاسد عند التزاحم.
    • مواجهة خصوم الشريعة الإسلاميَّة الذين يزعمون أنَّها لم تَعُدْ صالحةً للتطبيق في هذا الزمن.
    • حماية الفقيه من التناقض؛ لأنَّه يتبع نسقًا منضبطًا حسب هذا العلم.
    وفائدة هذا العلم ليستْ محصورة على الفقه في المسائل العملية فقط، بل لا يستغني عنه كلُّ مَن يحتاج إلى فَهْم نصوص الوحي والاستدلال بها، سواء كان مفسِّرًا أو محدِّثًا، أو باحثا في العقيدة، ونحو ذلك، ولذلك سمِّيتْ بعضُ المؤلفات بالأصول من غير تقييد بالفقه.
    5- استمداد أصول الفقه:
    يستمد هذا العلم مما يلي:
    القرآن الكريم والسنة النبوية، اللَّذان هُمَا أساس العلوم الشرعية كلها، فهذا العلم يهتمُّ بأدلة الأحكام، والقرآن والسنة مليئان بها.
    علم أصول الدِّين، ويُعبِّر عنه أكثرهم بعلم الكلام، فالعلم بالأدلَّة الإجمالية، وصحة الاستدلال بها مبنيٌّ على معرفة الله - تعالى - وصفاته، والعلم بصِدْق الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
    اللغة العربية التي نزل بها القرآن، وجاءت السنة القولية، فالاستدلال بهما مبني على معرفة هذه اللغة.
    الفقه: وهذا يوقع في الدَّوْر الممتنع؛ لأنَّه لو كان الأصول مستمدًّا من الفقه لَمَا عُرِف إلا بعد معرفة الفقه، والحال أنَّ الفقه لا يعرف إلا بعد معرفة الأصول، لكن المراد هو أنَّ أصول الفقه يحتاج في إدراكه إلى إدراك أمثلة مِن الفِقه، يمثل بها لتتضح القواعد الأصولية.
    الباب الأول
    الحكم الشرعي
    تعريفه:
    الحُكم في اللغة: المنْع، ويطلق بمعنى القضاء.
    وفي اصطلاح جمهور الأصوليِّين: "خطاب الله المتعلِّق بأفعال المكلَّفين بالاقتضاء، أو التخيير، أو الوضع".
    وعند الفقهاء[1]: "هو مقتضى خطاب الله أو مدلول المتعلِّق بأفعال المكلَّفين بالاقتضاء، أو التخيير، أو الوضع".
    شرح التعريف:
    الخِطاب في اللغة: توجيهُ الكلام نحوَ الغَيْر؛ لإفهامه، والمراد به هنا: أمره ونهيه، ونحو ذلك.
    والمكلَّف: مَن توافرت فيه شروط التكليف، والأوْلى أن يعبر بلفظ "العباد"؛ ليشمل المكلَّف وغيره.
    والمراد بالاقتضاء هو الطلب، ويكون إما طلبَ فعل، أو طلب ترْك، وأما التخيير بين الفِعْل والترك، فيناسب الإباحة.
    والمراد بالوضع: هو جعْلُ الشيءِ سببًا أو شرطًا أو مانعًا، أو وصفه بالصحَّة، أو الفساد أو البطلان، وهذه الزيادة أسقطها بعضُهم من تعريف الحكم بدعوى أنَّ الأحكام الوضعية راجعةٌ إلى الأحكام التكليفية، وأثبتها آخرون؛ لأنَّ الأحكام الوضعية لا تدخل في التعريف إلا بهذه الزيادة.
    أقسام الحكم الشرعي:
    الشائع عند الأصوليِّين: أنَّ الحُكم الشرعي قسمان: الحكم التكليفي، والحكم الوضعي، ولكن الأوْلى هو إضافة قسم ثالث، وهو الحكم التخييري؛ وذلك لأنَّ الإباحة ليستْ من الأحكام التكليفية على الصحيح.
    القسم الأول: الحكم التكليفي:
    هو خطاب الله المتعلِّق بأفعال المكلَّفين بالاقتضاء، وهذا يشمل الإيجاب، والندْب، والتحريم، والكراهة.
    فالإيجاب: طلب الفعل طلبًا مشعرًا بالذمِّ على الترْك.
    والندب: طلب الفعل طلبًا مُشعرًا بعدم الذمِّ على الترْك.
    والتحريم: طلب ترْك الفعل طلبًا مشعرًا بالذمِّ على الفعل.
    والكراهة: طلب ترْك الفعل طلبًا مشعرًا بعدم الذمِّ على الفعل.
    وأما الحكم التخييري فهو: التسوية بين الفِعْل والترْك.
    وقد قسم الفقهاء الحُكم التكليفي إلى خمسة أقسام، وهي: الواجب، والمندوب، والمحرم، والمكروه، والمباح، والحنفية زادوا على هذه الأقسام الفرْض، والمكروه كراهة تحريم.
    وسنتكلَّم عن كلِّ واحد من هذه الأقسام باختصار؛ لأنَّ المقصود من ذِكْرها معرفة اصطلاحًات الفقهاء، والقدرة على تصوُّر الأحكام الشرعية.
    الواجب
    تعريفه:
    في اللغة: الساقط، ويُطلق بمعنى اللازم.
    وفي الشرع: هو كلُّ ما ورد الشرع بذمِّ تاركه مطلقًا.
    ولفظ (مطلقًا) متعلِّق بتاركه؛ أي: إذا ترَكَه البتة، وهذا القيد جيء به في التعريف؛ ليكونَ الحدُّ جامعًا لثلاثة أنواع من الواجبات، وهي:
    الواجب الموسَّع: كالصلاة التي يجوز تركُها في أول الوقت مع فِعْلها في أثنائه، فلولا زيادة لفظ (مطلقًا) لقيل: إنَّ الواجب الموسَّع ليس بواجب في أول الوقت ما دام لا يُذمُّ تاركه.
    الواجب المخيَّر: مثل وجوب التكفير عن اليمين الحانثة بواحد من ثلاثة: العِتق، والإطعام، والكسوة.
    الواجب الكفائي: مثل غُسْل الميِّت، وتكفينه، والصلاة عليه، فهذا واجبٌ على عموم المسلمين العالِمين بموت ذلك المسلم، ولكن يسقط بفعل مَن يكفي منهم.
    أقسام الواجب:
    1- ينقسم الواجبُ بالنظر إلى ذاته إلى قسمين:
    معيَّن: وهو ما طلبه الشَّرْع بعينه من غير تخيير بينه وبين غيره، مثل الصلاة.
    ومخير: وهو الواجب الذي خُيِّر فيه المكلَّف بيْن أشياء محصورة، مثل التخيير في كفَّارة اليمين بين ثلاثة أشياء[2].
    2- ينقسم الواجب بالنظر إلى وقته إلى قسمين:
    غير مؤقَّت: وهو الذي لم يحدِّد له الشَّرْع وقتًا معينًا مثل أداء النذور والكفَّارات.
    مؤقت: وهو ما حدَّد له الشَّرْع وقتًا معينًا مثل الصلاة، وينقسم إلى قسمين:
    مضيَّق: وهو الذي حدَّد له الشرع وقتًا لا يتَّسع لغيره من جِنسه معه، مثل الصيام يبدأ من طلوع الفجْر إلى غروب الشمس، وهذا الوقت لا يتَّسع إلا لصيام واحد.
    موسع: وهو الذي حدَّد له الشرع وقتًا يتسع له ولغيره من جنسه معه، ومثاله: الصلاة.
    وقد أنكر بعضُ الحنفية وجودَه بدعوى أنَّ التوسع ينافي التوقيت، وأنَّ ما يسميه الجمهور واجبًا موسعًا يجوز ترْكه في أول الوقت، ولا يجوز تركه إلى خروج الوقت باتِّفاق، وردَّ عليهم الجمهور بوجوده في الشَّرْع كما دلَّ على ذلك حديث توقيت الصلوات من طَرَف جبريل - عليه السلام - ولكي يجيبوا على هذا الردِّ، انقسم الحنفية ثلاثَ فرق، استدلَّتْ بأدلة ردَّها الجمهور.
    والخلاف بين الفريقَيْن راجع إلى سبب وجوب الصلاة، فمَن جعله آخر الوقت، أنكر التوسُّع في الوجوب، وأثبتَه مَن جعل كلَّ جزء من أجزاء الوقت سببًا لوجوب الصلاة، وقد بنوا على الخلاف مسائلَ فرعية، ومثالها: إذا حاضت المرأة بعد دخول وقت الصلاة بزمن كان يُمكنها أن تؤدِّي الصلاة فيه، فعلى قول الحنفية فلا قضاءَ عليها، والجمهور اختلفوا في ذلك، فمنهم مَن أوجب القضاء؛ لأنَّ كل جزء من الوقت يصلح سببًا، ومنهم مَن قال لا قضاء عليها؛ لأنَّها فعلت ما يجوز لها فعلُه، وهو ترك الصلاة في أول الوقت، مع العزْم على فعلها في آخره، والقول الأول أقرب لقاعدتهم في الواجب الموسَّع.
    الفرق بين الواجب الموسع والواجب المضيق:
    الموسع لا يصحُّ أداؤه إلا بنيَّة اتفاقًا، وأما المضيَّق فعند أكثر الحنفية لا يحتاج إلى نيَّة الفرض.
    الموسع لا يمتنع صحةُ غيره من الواجبات في زمنه، وأما المضيق فلا يجوز أداءُ غيره في وقته إلا إذا جاز ترْكُه برخصة كالسفر في رمضان، فقد اختلفوا: هل يجوز أن ينوي بصيامه في رمضان واجبًا آخر.
    3-ينقسم الواجب بالنظر إلى المخاطب بفعله إلى قسمين:
    الواجب العيني: وهو ما طلب الشرع فعلَه من كلِّ مكلف بعينه، كالصلاة.
    الواجب الكفائي: وهو ما طلب الشرع حصولَه من غير تعيين فاعله، كتجهيز الميت.
    أهم الفروق بين الواجب العيني والواجب الكفائي:
    الواجب العيني مطلوبٌ من كل واحد من المكلَّفين بعينه، ولا يقوم به غيره إلا بإذنه فيما تدخله النيابة. وأما الواجب الكفائي، فلا يُطلب من كلِّ واحد بعين، بل إذا قام به مَن يكفي أجزأ.
    الواجب العيني مصلحته ترجع إلى فاعله، أما الواجب الكفائي فمصلحته عامَّة.
    الواجب الكفائي ينوب فيه البعضُ عن الكل، وأما العيني فلا تكفي فيه النيابة.
    الأمر في الواجب العيني موجَّه لكل واحد من المكلَّفين، والأمر في الواجب الكفائي اختلف فيه:
    فقيل: موجَّه إلى بعضٍ غير معيَّن.
    وقيل: موجَّه إلى المجموع من حيث هو مجموع.
    وقيل: موجَّه للجميع لكن يسقط بفعل البعض، وهو الراجح؛ لأنَّ المقصود هو إيجاده، بغضِّ النظر عن موجِده.
    4- انقسام الواجب إلى محدَّد وغير محدَّد، وهو تقسيم لا يترتَّب عليه كبير فائدة:
    فالمحدَّد: هو ما ورد تقديره في الشَّرْع بمقدار ظاهر لكل أحد، كمقادير الزكاة.
    وغير المحدد: هو ما طلب فعله من غير تحديد مقداره، مثل الطمأنينة في الركوع والسجود.
    ما لا يتم الواجب إلا به:
    هذه القاعدة من القواعد الأصولية المهمَّة التي انبنى عليها فقهٌ كثير، وهي ليستْ على الإطلاق المذكور في العنوان، بل هي قسمان:
    ما لا يتمُّ الوجوب إلا به، كشروط الوجوب، وأسبابه، وانتفاء موانعه، فهذه ليستْ واجبةً باتفاق، فمثلاً ليس على المكلَّف أن يُمسِك عن إنفاق ما عنده من مال حتى يتمَّ الحول ويزكِّيه.

    ما لا يمكن عقلاً أو شرعًا أو عادةً أن يفعل الواجب تامًّا إلا بفعله، وهذا ينقسم أيضًا قسمين:
    أ- ما ليس بمقدور للمكلَّف، وهذا خارج عن القاعدة فلا يجب باتِّفاق، كغسل اليد المقطوعة في الوضوء.
    ب- ما هو مقدور للمكلَّف، وهذا ينقسم أيضا إلى قسمين:
    • ما ورد في إيجابه نصٌّ مستقل، كالوضوء، والنية للصلاة، وهذا واجب باتفاق.
    • ما لم يَرِدْ فيه بخصوصه دليلٌ مستقل، وهذا هو موضع النزاع، وهو الذي قال بعض العلماء فيه: لا نسميه واجبًا، وإن وجب فعلُه تبعًا.
    والقاعدة معمولٌ بها عند جميع الأئمة، والخلاف فيها ضعيف، ومحله إما التسمية، أو الثواب المستقل على الزيادة التي لا يتمُّ الواجب إلا بها، والتي سمَّاها الجمهور واجبًا؛ لأنها لا يجوز تركها أبدًا إلا بترْك الواجب، ومن فروع هذه المسألة:
    إذا اشتبهتِ الميتة بمُذكَّاة وجب اجتنابهما معًا.
    إذا امتنع المدِين من سداد الدين، وعنده عقار زائد عن حاجة السُّكْنى، وَجَب عليه بيعه لسداد الغرماء.
    زيادة الواجب غير المحدَّدة هل تكون واجبة؟
    هذه المسألة تُذكر بعد قاعدة "ما لا يتمُّ الواجب إلا به فهو واجب"؛ لشبهها بها، وذلك لأنَّ كلاًّ منهما زيادة في الواجب، غير أنَّ الأولى كالشرط للواجب، فلا يتم بدونها، والثانية متصلة به من آخره.
    وهذه الزيادة إذا كانت متميِّزةً لا يختلفون في أنها ليستْ واجبة، مثل أن يزيد في زكاة الفطر عن المقدار الواجب، وأما إذا كانت غيرَ متميزة، مثل الزيادة في الركوع والسجود على القَدْر الذي تحصل به الطمأنينة، فهذه اختلفوا فيها على قولين، ولا يترتب على الخلاف فيها كبيرُ فائدة، إلا في الثواب هل هو ثواب فرْض، أم نافلة، وهذا أمرٌ غيبي.
    المندوب
    تعريفه وطرق معرفته:
    في اللغة: هو المدعو إليه.
    وفي الاصطلاح: هو ما طَلَب الشَّرْعُ فعلَه طلبًا غير جازم.
    ويعرف كون الفعل مندوبًا بطرق كثيرة منها:
    • الأمر المقترن بما يدلُّ على جواز الترْك، كقوله - تعالى -: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} [النور: 33].
    • الترغيب فيه بذكر ثوابه من غير أمر.
    • بيان محبَّة الله للفعل، كقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((حبيبتان إلى الرحمن)).
    • مدح فاعله، كقوله - تعالى -: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَمًا} [الفرقان: 63].
    • فِعْل الرسول - صلى الله عليه وسلم - للفعل تقربًا من غير أن يأمر به، مثل الاعتكاف.
    اختلف العلماء في كون المندوب مأمورًا به حقيقة:
    فالأكثر على أنَّه مأمورٌ به حقيقة، واستدلوا بأنَّ فعله يسمَّى طاعة، والطاعة هي امتثال الأمر، لكن يشكل عليهم أنه يلزم اشتراك الأمر بين الإيجاب والندب، وهذا خلاف ما عليه الجمهور في مقتضى الأمر - كما سيأتي.
    وآخرون رأوا أنَّه مأمور به مجازًا، بدليل حديث: ((لولا أن أشقَّ على أمتي لأمرتُهم بالسواك عندَ كل صلاة)).
    أسماء المندوب:
    يُسمَّى المندوب عند جمهور العلماء من المذاهب الثلاثة بأسماء كثيرة، أهمها: السُّنة، والمستحب، والرغيبة، والنافلة، والتطوُّع ونحو ذلك، وعند بعض الحنفية ينقسم المندوب إلى:
    سُنَّة هُدى: وهي ما كان أخذها هدى، وترْكها ضلالة.
    سنة مطلقة: وهي ما فعله الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولم يأمرْ به أمرَ إيجاب، مثل السنن الرواتب.
    نافلة: وهي ما شُرِع من العبادات الزائدة على الفروض.
    وذهب بعض الحنابلة إلى تقسيم المندوب إلى ثلاثة أقسام مبنية على عظم الأجْر، وهذا أمر مغيَّب عنَّا.
    ومن الألفاظ المشهورة عند الفقهاء:
    السُّنَّة المؤكَّدة: وهي ما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - وواظب عليه في الحضر والسَّفر، مثل الوتر وسُنَّة الفجر.
    والمستحب: وهو ما رغَّب فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - سواء فعله أو لم يفعلْه، مثل صيام يوم وترْك يوم.
    هل يلزم المندوب بالشروع فيه؟
    أما الحجُّ والعمرة، فقد اتفق العلماء على وجوب إتمامهما؛ لقوله – تعالى -: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196]، وأما الصدقة بالمال كالنفقة على الفقير، فلا خلاف في جواز قطعها، واختلفوا في غير ذلك:
    فأبو حنيفة على أنَّ المندوب يجب بالشروع فيه، ومِن أدلتهم قوله - تعالى -: {وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33]، وذهب الجمهور إلى عدم وجوبه بالشروع فيه، ومن أدلَّتهم قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ((الصائم المتطوِّع أميرُ نفسه، إن شاء صام وإن شاء أفطر))، وهذا هو الراجح، وأما الآية فالمقصود بها إبطالُ الأعمال بالرِّياء أو بالردَّة.
    وثمرةُ الخلاف تظهر في إيجاب القضاء، فأبو حنيفة يوجبه على مَن شرع في نفل ثم قَطَعه، ولا يوجبه الجمهور.
    الحرام
    تعريفه وطرق معرفته:
    هو ما يُذمُّ شرعًا فاعله، ويعرف بطرق، منها: النهي عنه من غير أن تصحبَه قرينة تدلُّ على أنَّه للكراهة، مثل قوله – تعالى -: {وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَا} [الإسراء: 32].
    النص على الخبر بتحريمه، كقوله – تعالى -: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275].
    ذم فاعله، مثل قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((العائد في هِبته كالكَلْب يقيء، ثم يعود في قَيْئه)).
    توعد الفاعل بالعقاب، كقوله – تعالى -: {يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا} [الفرقان: 69].
    أقسام الحرام:
    حرام لذاته: وهو ما كان مفسدةً في ذاته، مثل القتل.
    حرام لغيره: وهو ما تكون مفسدته ناشئةً من وصف قام به لا مِن ذاته، مثل البيْع وقت نداء الجُمعة الثاني، وقد يطلق على ما حرِّم لكونه وسيلةً إلى الحرام، مثل النظر إلى مفاتن المرأة الأجنبية.
    التضاد بين الحرام والواجب:
    فلا يمكن أن يكون الشيء بعينه حرامًا واجبًا، وما قد يبدو أنه كذلك فإمَّا أن يكون:
    • واحدًا بالجنس لا بالعين، كالسجود، فإنَّه إذا وقع للصنم كان حرامًا، وإذا وقع لله كان واجبًا، أو مندوبًا.
    • واحدًا بالعين له جِهتان تنفك إحداهما عن الأخرى، فيكون حرامًا من جهة، وطاعةً من جهة أخرى، ومثَّل له بعضُهم بالصلاة في الدار المغصوبة، فذهب بعضُ العلماء إلى أنها ليس لها إلا جهة واحدة، فلا يمكن أن تكون صحيحة؛ لأنَّ المكان شرط عادي لأداء الصلاة، وقال آخرون: إنها مجزِئة، وعليه إثم الغصْب، وهذا هو الراجح؛ لأنَّ الشرع نهى عن الغصب، وأمر بالصلاة، فالجهة منفكَّة، وأما إذا انصب النهي على ذات المأمور به فيكون نسخًا، كالنهي عن المتعة بعدَ الأمر بها، وكذلك إذا اتَّجه النهي إلى الموصوف مع صفته، فالمنهي عنه باطلٌ، كالنهي عن الصلاة في المقبرة ونحوها.
    المكروه
    تعريفه وطرق معرفته:
    في اللغة: هو المبغَض.
    وفي الشَّرْع: هو المحرَّم.
    وهو في اصطلاح جمهور الأصوليِّين والفقهاء: "ما نهى عنه الشرع نهيًا غير جازم"، ويطلقه الحنفية على شيئين:
    المكروه كراهةَ تحريم، وهو: ما نهى عنه الشرع نهيًا جازمًا، ولكنَّه ثبت بطريق ظني، مثل أكْل كل ذي ناب من السِّباع.
    المكروه كراهةَ تنزيه، وهو مرادف للمكروه عند الجمهور.
    ويعرف المكروه كراهة تنزيه بأمور، منها:
    النهي عنه مع وجود قرينةٍ تدلُّ على عدم العقاب على الترْك، مثل: المشي بنعل واحدة.
    أن يترتب على فعْل الشيء الحرمانُ من فضيلة، مثل: منع دخول المسجد على من أكَل الثوم والبصل.
    المباح
    تعريفه وطرق معرفته:
    لغة: هو المأذون فيه، والمطلق.
    وشرعًا: ما خير الشرع فيه بين الفعل والترك، مثل: أكل الأطعمة التي لم ينه عنها.
    والإباحة تعرف بطرق منها:
    النص على التخيير بين الفعْل والترْك، مثل حديث: ((إن شئتَ فتوضأ، وإن شئت فلا تتوضأ)).
    نفي الإثم والمؤاخذة، كقوله – تعالى -: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 173].
    النص على الحل، كقوله - تعالى -: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} [البقرة: 187].
    الأمر الوارد بعد الحَظْر، كقوله - تعالى -: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ} [الجمعة: 10].
    كون الفعل مسكوتًا عنه؛ لأنَّ الأصل في الأشياء المنتفَع بها الحِل.
    القسم الثاني
    الحكم الوضعي
    هو خطاب الله تعالى بجعْلِ الشيء سببًا أو شرطًا أو مانعًا، أو صحيحًا أو فاسدًا.
    أقسامه:
    1- السبب:
    لغة: هو ما يحصل الشيءُ عنده لا به، ومنه سُمِّي الحَبْل سببًا.
    واصطلاحًا: يطلق على عدة معانٍ هي:
    العلاَمة المعرِّفة للحكم، مثل قولهم: غروب الشمس سببٌ للفطر.
    العِلَّة الكاملة، وهي العلَّة المستكملة شروطها، المنتفية موانعها، ولهذا عرَّف السببَ بعضُهم بأنه: "ما يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم لذاته"، وهذا فائدة قولهم: "لذاته"؛ أي: إن وجود المسبب وعدمه راجعان لذات السبب، كقولهم: الوطء المحرَّم هو سبب حَدِّ الزِّنا.
    العِلَّة مع تخلُّف شرطها، كما يقولون: مِلْك النِّصاب سببٌ لوجوب الزكاة، وإن لم يَحُلِ الحول.
    ما يقابل المباشرة، فمن حرَّض على القتْل ولم يقتل يُسمَّى متسبِّبًا، والقاتل يُسمَّى مباشرًا.
    2- العلة:
    لغة: هي المرض.
    واصطلاحًا: هي وصْفٌ ظاهر منضبط، دلَّ الدليل على كونه مناطًا للحكم، ومثالها: الإسكار عِلَّة لتحريم الخمر.
    للفقهاء ثلاثة اصطلاحًات مشهورة:
    • قد يجعلون العِلَّة مرادفةً للسبب.
    • وقد يجعلونها مباينةً له، فيطلقون السببَ على ما لا تعرف حِكمته، ويطلقون العلَّة على ما عُرِفت حِكمته.
    • وقد يجعلون السببَ أعمَّ مِن العلَّة، فيقولون: السبب يطلق على ما عُرفت حكمته، وما لم تعرف، وأما العلَّة فلا تطلق إلاَّ على ما عُرِفت حِكمتُه.
    3- الشرط:
    لغة: هو التأثير أو العلامة.
    واصطلاحًا: هو وصفٌ يلزم من عدمه عدم ما عُلِّق عليه، ولا يلزم من وجودِه وجودُه ولا عدمُه.
    مثاله: الطهارة: يلزم من عدمها عدم صحة الصلاة، ولا يلزم من وجودها صحَّة الصلاة، ولا عدمها؛ لأنَّ الطهارة قد تحصل، ولا تحصل صلاة.
    والشرط ينقسم إلى أربعة أقسام بالنظر إلى طريق معرفته:
    شرعي: وهو ما عُرِف اشتراطه بالشرع، مثل: الطهارة للصلاة.
    عقلي: وهو ما عُرِف اشتراطه بالعقل، مثل: الحياة شرط للعلم.
    عادي: وهو ما عُرِف اشتراطه بالعادة، مثل: وجود السُّلَّم شرط لصعود السطح.
    لغوي: وهو التعليق الحاصل بإحدى أدوات الشَّرْط المعروفة في اللغة، وهذا شرْط من حيث الاسم، وهو سبب من حيث المعنى؛ ولذلك يقال: "الشروط اللغوية أسباب".
    4- المانع:
    لغة: هو الحاجز أو الحائل.
    واصطلاحًا: هو وصفٌ يلزم من وجوده عدمُ متعلقه، ولا يلزم من عدمه وجوده ولا عدمه، كالرِّقِّ المانع من الإرث.

    5- الصحة:
    لغة: هي ضد المرض.
    واصطلاحًا: ترتُّب الآثار المقصودة من الفِعْل عليه.
    وهذا التعريف يصلُح للصحة في العبادات وفي المعاملات، فإنَّ الآثار المقصودة من فعْل العبادة عند الفقهاء هي براءة الذِّمَّة، وعند المتكلِّمين المقصود من فعْل العبادة موافقة الأمر، سواء أسقط القضاء بالفعل أم لا.
    والآثار المقصودة من المعاملة تختلف باختلاف نوْعِها، فمثلاً إن كانت بيعًا، فهي تَملُّك البائع للثمن والمشتري للمُثْمَن.
    ومِن العلماء مَن فرَّق بين تعريف الصحة في العبادات، وتعريفها في المعاملات، فجعل التعريف السابق صالحًا للمعاملات، وأما في العبادات فذكروا تعريفين: أحدهما للمتكلِّمين، وهو: موافقة الفعل لأمر الشارع، والآخر للفقهاء، وهو: سقوط القضاء.
    6- الفساد والبطلان:
    لغة: الفساد ضدُّ الصلاح، والبطلان هو ذَهابُ الشيء خُسْرًا وهَدَرًا.
    واصطلاحًا: تخلُّفُ الآثار المقصودة من الفعْل عنه.
    فإن كانت عبادةً ففسادها ألاَّ تبرأ بها الذِّمَّة، وإن كان معاملةً ففسادها ألاَّ يترتب عليها أثرُها كعدم نقْل المِلْك.
    الفرق بين الفاسد والباطل:
    الفاسد والباطل عندَ الجمهور بمعنى واحد، وعند الحنفية يُفرَّق بينهما بأنَّ الفاسد هو ما شُرِع بأصله، ولم يُشرع بوصفه، ويفيد الملك الخبيث، ويمكن إصلاحه بردِّ الزيادة إذا كانتْ هي سببَ الفساد، ومثاله العقود الرِّبوية، وأما الباطل فهو ما لم يشرع بأصله، ولا بوصفه وهو لغوٌ لا فائدة فيه، ولا يمكن إصلاحُه، ومثاله: بيع حَمَل الحمل الذي في بطن ناقته.
    أوصاف العبادة المؤقتة:
    أ- الأداء: وهو فعل العبادة في وقتها المعيَّن غير مسبوق بفعْل مختل.
    فيخرج بالتعريف فِعلُها بعد فوات وقتها، أو إعادتها، والفعل المختل يشملُ ما اختلَّ شرُطه أو ركنه، وما نقص ثوابه وإن استكمل الشروط والأركان.
    ب- القضاء: وهو فعل العبادة المؤقَّتة بعد فوات وقتها.
    ج- الإعادة: وهي فعل العبادة في وقتها بعدَ فعل مختل.
    وأما الواجب غير المؤقَّت كالكفَّارات، فيُوصف بالإعادة، ولا يوصف بالأداء والقضاء الاصطلاحيَّين.
    تقسيم الحكم إلى عزيمة ورخصة:
    جعلهما بعضُ العلماء من أقسام الخطاب الوضعي، وآخرون من أقسام الحُكم التكليفي والتخييري، وهذا أَوْلى.
    والعزيمة في اللغة: القصد المؤكد.
    وفي الاصطلاح: وصْفٌ للحكم الثابت ابتداءً، لا لأجْل عُذْر.
    ويوصف به الواجب والمندوب، والمكروه والحرام، والمباح، ولا يُطلق إلا في مقابل الرخصة.
    والرخصة في اللغة: التسهيل والتيسير.
    وفي الاصطلاح: وصْفٌ للحكم الثابت على خلاف دليل شرعي باقٍ لعُذر[3].
    والأصل: أنَّ الإباحة هي التي توصف بأنها رخصة، ولكن قد يعرض للحُكم الموصوف بأنَّه رخصة ما يجعله واجبًا أو مندوبًا، وذلك كالأكْل من الميتة لِمَن أشرف على الهلاك فهو واجب.
    الفرق بين الرخصة والمخصوص من العموم:
    فالحكم المخصوص من العموم خصص لعدم وجود الداعي للحكم العام فيه، وأما الرخصة فخصصت لأجل العذر مع وجود الداعي للحكم العام فيها.
    الفرق بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي:
    أنكر بعضُ الأصوليِّين تقسيمَ الحُكم الشرعي إلى تكليفي ووضعي، وجعلوا الأحكامَ الوضعية راجعةً إلى الأحكام التكليفية أو التخيير، وقالوا: إنها ليست أحكامًا، بل هي إعلام بالحُكم، والصحيح: أنَّها أحكام شرعية، ولا يصدُق عليها اسم شيء من الأحكام الخمسة المتقدِّمة، ولا بدَّ لها من تسمية، فاصطلح على تسميتها بالأحكام الوضعية.
    وهناك فروق بيْن الحكم التكليفي، والحُكم الوضعي، تتلخَّص فيما يلي:
    الحكم التكليفي لا يُوصَف به إلا فعْلُ المكلف، أما الحكم الوضعي، فلا يختلف باختلاف الفاعل.
    الحكم التكليفي من شرْطه العلم، والحُكم الوضعي لا يشترط العلم به، فمن فَعَل المحرم جاهلاً بتحريمه، فلا يؤثَّم، بل يُعذر، ولكن الأحكام الوضعية تلزم صاحبَها، وإن لم يعلم بها كمَن فعل سببًا من أسباب الضمان، فيلزمه - ولو مع جهله به.
    الحُكم التكليفي يُشترط فيه قدرة المكلَّف على فعل ما كُلِّف به على عكس الحكم الوضعي.
    الحكم التكليفي تُوصف به الأفعال، التي هي من كسْب العبد، وأما الحُكم الوضعي، فقد يكون كذلك كحال كثيرٍ من الشروط التي تشترط لصحةَّ العبادة، وقد لا يكون من كسْبه، كما لو أرضعتْ زوجتُه طفلةً، فإنها تحرم عليه مع أنَّه لم يفعل شيئًا.
    التكليف
    تعريفه:
    لغة: الأمر بما فيه كُلْفة أو مشقَّة.
    واصطلاحًا: "الخطاب بأمر أو نهي".
    وأنكر بعضُ العلماء أن تسمَّى أوامر الشرع ونواهيه تكاليف؛ لأنَّها ليس فيها مشقَّة، والصواب صحة الإطلاق؛ لأنَّ التكليف فيه معنى المحَّبة، وتكاليف الشرع محبوبة للمؤمن، ومن جهة أخرى فمشقَّة التكاليف الشرعيَّة معتادة.
    أركان التكليف:
    المكلِّف: هو الآمر، وهو الله - جلَّ وعلا.
    المكلَّف: هو البالغ العاقل.
    المكلَّف به: هو الفعْل أو الترْك.
    صيغة التكليف: هي الأمر والنهي، وما جرى مجراهما.
    شروط التكليف:
    الشروط التي ترجع إلى المكلَّف قسمان:
    أ- شروط عامَّة في كل التكاليف، وهي:
    البلوغ.
    العقل وفهم الخطاب.
    القدرة على الامتثال.
    الاختيار.
    العلم بالتكليف.
    ب- الشروط المقيَّدة: وهي شروط خاصَّة ببعض التكاليف، ومنها: الحرية، فهي شرْط للتكليف بالجهاد والجمعة، وليستْ شرطًا للتكليف بالصلاة والصوم.
    شروط الفعل المكلف به:
    أن يكون معلومًا: وليس هذا لكلِّ مكلف، وإنما لِمَن طلبه.
    أن يكون معدومًا: أي غير حاصل حالَ الأمر به، فمن صلى الفجر لا يُؤمَر به بعد فعله، وهذا الشرط ينطبق على المأمور به، أما المنهي عنه فيمكن أن يكون معدومًا كالنهي عن الزِّنا قبل ارتكابه.
    أن يكون ممكنًا: لأنَّ الله لم يكلفْنا بما لا يُطاق، بدليل قوله - تعالى -: {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا أمرتُكم بأمر، فأتوا منه ما استطعتم))، وذهب أكثر الأشعرية إلى جواز التكليف بما لا يُطاق، وزعموا أنَّه مذهب أهل السُّنة والجماعة، واختلفوا في وقوعه في الشرع، وأكثرُهم لا يرى وقوعه.
    موانع التكليف:
    منهج جمهور الأصوليين ذكر التكليف وموانعه، وأما الحنفية: فيذكرون ذلك تحتَ اسم الأهلية وعوارضها، والأهلية عندهم قسمان:
    أهلية الوجوب: وهي صلاحية الإنسان لوجوب الحقوق المشروعة له وعليه، وهي ملازمة للإنسان منذ بداية حياته، وشرْط ثبوتها للإنسان الحياة، وقد يُطلِق عليها الفقهاء "الذِّمَّة".
    أهلية الأداء: وهي صلاحية الإنسان لصدور الأفعال والأقوال منه على وجه يُعتدُّ به شرعًا، وشرطها الأساس هو التمييز.
    تمام الأهلية ونقصانها:
    أهلية الوجوب الناقصة تثبت للجنين في بطن أمِّه، وأهلية الوجوب الكاملة تثبت للإنسان منذ ولادته إلى وفاته، ولا تفارقه بسبب الصِّبا أو الجنون، أو نحو ذلك.
    أما أهلية الوجوب الكاملة، فتثبت للإنسان بالبلوغ والعقل، وفي التصرُّفات المالية يشترط لها الرُّشْد أيضًا، وأما أهلية الأداء الناقصة، فهي تثبت للإنسان من سِنِّ التمييز إلى البلوغ، ويترتب عليها صحة العبادات، وأما تصرُّفات الطفل التي تُرتِّب له حقوقًا، وترتِّب عليه واجباتٍ، فهي على أقسام:
    التصرفات النافعة نفعًا محضًا، تنفذ وتصح.
    التصرفات الضارَّة ضررًا محضًا، لا تصح ولو أجازها الولي.
    التصرفات الدائرة بين النَّفْع والضرر، موقوفةٌ على إجازة الولي.
    وأهم موانع التكليف:
    الجنون: وهو ذَهاب العقل الذي هو مناط التكليف، وتختلف أحكام المجنون باختلاف متعلقها:
    فأما أقواله: فهي لغو، لا يؤاخذ عليها.
    وأما أفعاله: فإذا كانت عبادات، فهي لغو لا أثرَ لها، وإن كان فيها ضرر بالغَيْر، فهو لا يؤاخذ عليها في الآخرة، وأما في الدنيا فعليه ضمانُها؛ لأن الضمان ليس مشروطًا بالتكليف.
    وأما الترك: فإنه لا يؤاخذ عليه فيما يتعلَّق بحقوق الله، فلا يطلب منه القضاء لو أفاق من جنونه إلاَّ إذا كانتِ العبادة لم يذهب وقتُها، وهذا مذهب الجمهور.
    النسيان: وهو ذهول القلْب عن الشيء مع سَبْق العلم به، فلا يعتد بأفعال الناسي وأقواله بها، ولا يؤاخذ عليها في الآخرة، واختلف العلماء فيما إذا فعل ما يُبطِل العبادة ناسيًا.
    الجهل: وهو انعدام العلم عمَّن يتصور منه العلم، وهو أربعة أنواع:
    أ- الجهل بالله - جلَّ وعلا - لا يُعذر به الإنسان بعدَ علمه بإرسال الرسل إلى الخَلْق.
    ب- الجهل بما هو معلوم من الدِّين بالضرورة، لا يُعذر به مَن عاش بين المسلمين، كالجهل بوجوب الصلاة.
    ج- الجهل في موضع الاجتهاد أو الاشتباه، فيما يصعب على عامَّة الناس الإحاطة به، فيسقط الإثم، ويطالب بالاستدراك - ما لم يشقَّ عليه - كالجهل ببعض الأحوال العارِضة للإنسان في صلاته.
    د- الجهلُ من حديث العهد بالإسلام، أو ممَّن عاش حياته في البلاد الكافرة بما يعرفه عامَّةُ المسلمين في البلاد الإسلامية، فيسقط الإثم، ويطالب بالاستدراك - ما لم يشقَّ عليه.
    النوم: يعد مانعًا من التكليف، لكنَّه لو نام حتى ذهب وقت الصلاة فتلزمه؛ لأنَّ العذر يُسقط الإثم، ولا يسقط القضاء، والنائم لا يُعتد بأقواله، وأما أفعاله، فيؤاخذ على ما يوجب الضمانَ منها.
    الإغماء: وهو مرض يتسبب في تعطُّل قوى الإدراك لدَى الإنسان.
    واختلف العلماء في قضاء العبادة حال الإغماء، فألْحقه الحنفية بالجنون إن كان طويلاً، وبالنوم إن كان قصيرًا، وقال الشافعي: لا قضاءَ عليه، وهو الصحيح؛ لأنَّ النائم عليه جانبُ تقصير بعكس الإغماء.
    السُّكْر: وهو حالة تحصل للإنسان تغطِّي عقلَه، فيضعف تمييزه بين الأشياء، أو يذهب بالكلية.
    وقد اختلف العلماء فيه، والأوْلى: أن يقال: إنَّ السُّكْر درجات، فقد يصل بالإنسان إلى حالة لا يعقل فيها شيئًا، فيمنع عنه التكليف لكنَّه يؤاخذ على أقواله وأفعاله المتعلِّقة بحقوق الآدميِّين، ويؤاخذ مَن تسبب له في السكر، وأما إذا كان يعقل الخِطاب، فيكون مكلفًا بأقواله وأفعاله.
    الإكراه: وهو حمل غيره على فعل لا يفعله لو خَلِي ونفسه.
    وقد قُسِّم إلى ملجئ وغير ملجئ، ولكن اختُلِف في تعريفهما:
    الإكراه الملجئ عندَ الجمهور: هو الذي لا يكون للمكْرَه فيه قدرةٌ على الامتناع، ويكون كالآلة في يدِ المكره.
    وغير الملجئ عندهم: ما عدا ذلك كالتهديد بالقتْل.
    وأما الحنفية، فنظروا إلى نوْع التهديد، فإن كان متَحَمَّلاً سُمِّي غير ملجئ، وإن كان غير متحمل عادةً سُمِّي ملجئًا.
    تحرير محل النزاع:
    أما الإكراه الملجئ باصطلاح الشافعية ومَن وافقهم: فهو يمنع التكليف باتفاق، ولكن الحنفية لا يسمُّون هذا النوع إكراهًا، بل يقولون: الفعل لا ينسب إلى الإنسان أصلاً، وأما الإكراه غير الملجئ باصطلاح الحنفية، فهو لا يمنع التكليفَ باتفاق؛ لأنَّه تهديد بما يمكن تحمُّله.
    فهذا مختلف فيه على أقوال:
    القول الأول: أنَّ الإكراه لا يمنع التكليف، وهو مذهب جمهور الأصوليِّين، ومنهم الحنفية الذين يُعبِّرون عن ذلك بعبارة أخرى، والجمهور لا يقولون: إن المكره يؤاخذ على كلِّ ما يقوله أو يفعله.
    القول الثاني: أنه يمنع التكليف بما يوافق مرادَ الشارع، ولا يمنع التكليف بنقيضه، وهذا مذهب أكثرِ المعتزلة؛ لأنهم يرون أنه حيث وُجِد التكليف، فلا بدَّ من الثواب أو العقاب.
    والحُكم الفقهي لِمَا يفعله المكْرَه فيه تفصيل على النحو التالي:
    الإكراه بحق، مثل بيْع مالِه لسداد الغرماء، فهذا يُنفَّذ ويصح.
    الإكراه بغير حق، وهذا يختلف حكمُه باختلاف المكْرَه عليه:
    فأما الأقوال فهي أنواع، أهمها:
    العقود المالية: لا تصحُّ ولا تنعقد عند الجمهور، وذهب الحنفية إلى أنها فاسدة، فيمكن تصحيحها بعدَ ارتفاع الإكراه.
    العتق والنكاح والطلاق: هذه العقود لا تقع مع الإكراه عند الجمهور، وعند الحنفية تقع، ولكن يرجع على مَن أكرهه لضمان ما لَحِقه من الخسارة.
    الأقوال المحرَّمة: كالنطق بكلمة الكُفْر، فتسقط عقوبتها مع الإكراه إن نطق بها وقلبُه مطمئن بالإيمان، وهذه رخصة يُثاب على ترْكها لِمَن صبر على الأذى، والقاذف المكْرَه معذور.
    وأما الأفعال فهي أنواع، أهمها:
    أفعال الكفر، لا يؤاخذ بها على الصحيح.
    الإكراه لا يُبيح قتْل المعصوم، أو جرحه باتِّفاق، والراجح أن يقتصَّ من المكرَه.
    الإكراه لا يبيح الزِّنا باتفاق، والراجح أنَّه لا حدَّ على المكرَه؛ لأنَّ الحدود تدرأ بالشبهات، وأما المكرِه فلا حدَّ عليه باتفاق، وفرَّق بعضهم بيْن المرأة والرجل.
    ولَمَّا رأى بعض العلماء أنَّ الله قد عفا عن المكرَه إلا في الحالات التي قدم فيها صيانةَ نفسه على صيانة غيره من المسلمين، قال: إنَّ المكره غير مكلَّف، وهو وإن خالف الجمهور في ذلك من حيث اللفظُ، لكنه موافق لهم في المعنى، غير أنَّه نظر إلى آثار التكليف - وأهمها المؤاخذة الأُخروية - فوجدها منتفيةً، فنفى التكليف.
    والقول بعدم تكليف المكْرَه هو الأليق بمذهب السَّلف، والأقرب إلى ظاهر القرآن والسُّنة؛ لأنَّ التكليف مع الإكراه فيه مشقَّة عظيمة، وقد تكون له صلةٌ بمسألة التكليف بما لا يُطاق، والإجماع الذي حُكي على أنَّ الإكراه لا يُبيح قتْل المعصوم والزِّنا، يحمل على أنَّه لم يسقط عنه الإثم.
    الباب الثاني
    أدلَّة الأحكام الشرعية
    تعريف الدليل:
    لغة: المرشِد إلى الشيء والهادي إليه.
    واصطلاحًا: "ما يمكن التوصُّل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري[4]".
    ويُراد بالنظر: الفِكر الموصل إلى علم أو ظنّ، ووُصِف بكونه صحيحًا؛ ليخرج النظر الفاسد، والمراد بقولنا: "مطلوب خبري"؛ أي: حكم من الأحكام.
    أقسام الأدلة الشرعية:
    1- تنقسم الأدلَّة الشرعية من حيث الاتفاق على العمل بها وعدمه إلى ثلاثة أقسام:
    أدلَّة متفق عليها، وهي الكتاب والسُّنة.
    أدلَّة فيها خلاف ضعيف، وهي الإجماع والقياس.
    أدلَّة فيها خلاف قوي، ومنها قول الصحابي، والاستحسان، والمصلحة المرسَلة ونحوها.
    2- وتنقسم من حيث طريق معرفتها إلى قسمين[5]:
    أدلَّة نقلية، وهي الكتاب والسُّنة، والإجماع وقول الصحابي، وشَرْع مَن قبلنا، والعرف.
    أدلة عقلية مستندة إلى نقل، وهي القياس، والمصلحة المرسلة، وسد الذرائع، والاستحسان والاستصحاب.
    والظاهر أنَّ الأدلة الشرعية منها ما يدلُّ بمقتضى الوضع اللغوي مثل أكثر نصوص الكتاب والسُّنة، ومنها ما لا يدلُّ إلا بضميمة إليه كنصٍّ شرعيٍّ آخر، مثل الإجماع وقول الصحابي، ونحوهما، ومنها ما يُستدلُّ به العقلاء قبل ورود الشَّرْع، وجاء الشرع مؤيدًا له كبعض أنواع القياس، والاستصحاب، ونحوهما.
    3- وتنقسم الأدلَّة الشرعية من حيث قوة دلالتها إلى:
    دليل قطعي: وهو ما دلَّ على الحكم من غير احتمال ضده.
    وظني: وهو ما دلَّ على الحكم مع احتمال ضدِّه احتمالاً مرجوحًا.
    الأصل في الأدلة الشرعية العموم، سواء وردتْ بصيغة العموم، أم بصيغة الخصوص، فتشمل مَن ورد فيه الحكم ومَن يماثله من المكلَّفين على مرِّ العصور، والدليل على هذا من وجوه:
    عموم رسالة الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
    قوله - تعالى -: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21].
    الأدلَّة الدالة على مشروعية القياس تدلُّ على عموم الأدلَّة.
    الدليل الأول: الكتاب:
    القراءة الصحيحة، والقراءة الشاذة:
    القرآن الكريم نزَل على سبعة أحرف، كلُّها عربية، ولَمَّا جُمِع الجَمعةَ الأخيرة في المصاحف، اقتصر فيه على حرف واحد، وهو الذي كانت تقرأ به قريش، والقراءات العشر لا تخرج عن الحَرْف الذي أثبت في المصحف العثماني، وقيل: إنَّ مصحف عثمان مشتمل على الأحرف السبعة.
    وتنقسم القراءة إلى:
    صحيحة: وهي ما صحَّ سندها، ووافقتِ اللغة ولو من وجه - ووافقتْ رسم المصحف العثماني.
    شاذة: وهي ما صحَّ سندُها ووافقتِ اللغة - ولو من وجه - وخالفتْ رسم المصحف العثماني.
    باطلة: ما اختلَّت فيها صحَّة السند، أو موافقة اللغة العربية، فلا تجوز القراءة بها، ولا الاحتجاج بها باتفاق.
    ولما كان رسم المصحف العثماني متواترًا، عدُّوا ما خرج عنه آحادًا أو شاذًّا، واختلفوا في جواز القراءة به في الصلاة، فذهب بعضُ العلماء إلى الجواز؛ لفعل بعض الصحابة، وذهب الجمهور إلى عدم الجواز؛ لأنها ليستْ قرآنًا، ومذهب الجمهور أحوط.
    حجية القراءة الشاذة:
    القول الأول: أنها حجَّة؛ لصحة السند، فلا تخلو إما أن تكون قرآنًا أو سُنَّة، وهذا هو الصواب.
    القول الثاني: أنها ليستْ بحجَّة؛ لأنَّ الصحابي نقلها على أنها قرآن، لا على أنها سُنَّة، والظاهر أنها من تفسيره.
    ومن تجليات هذه المسألة: أنَّ من أوجب التتابع في صيام كفَّارة اليمين، استدلَّ بقراءة ابن مسعود: "فصيام ثلاثة أيام متتابعات"، ومن احتجَّ بالقراءة الآحادية لعائشة: "والصلاة الوسطى وصلاة العصر"، قال: إنَّ الصلاة الوسطى ليستْ صلاةَ العصر؛ لأنَّ العطف يقتضي المغايرة، ومن فسر القروء بالأطهار استدلَّ بقراءة: "فطلقوهن لقبل عدتهنَّ".
    الدليل الثاني: السُّنة:
    تعريف السنة:
    لغة: الطريقة.
    واصطلاحًا: ما صَدَر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - غير القرآن مِن قول، أو فعل، أو تقرير[6].
    وتطلق السُّنة في كلام العلماء إطلاقاتٍ أخرى، منها المستحب والمندوب، وتطلق في مقابل البِدعة.
    أ

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء أبريل 24, 2018 8:28 am