مصري فيت

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته نامل ان تكون في اتم صحه وعافيه
مصري فيت

منتدي لعلوم الطب البيطري وما يشملها


    كتاب اصول الفقه الذي لايسع الفقيه جهله-3

    شاطر

    admin
    Admin

    المساهمات : 2529
    تاريخ التسجيل : 22/03/2010
    العمر : 56
    الموقع : O.KATTAB@YAHOO.COM

    كتاب اصول الفقه الذي لايسع الفقيه جهله-3

    مُساهمة من طرف admin في الجمعة مارس 06, 2015 11:41 pm

    الاستصلاح
    تعريفه:
    لغة: العمل على إصلاح شيءٍ ما.
    واصطلاحًا: بناء الأحكام على المصلحة المرسَلة.
    والمصلحة في اللغة: المنفعة، والعلماء متَّفقون على أنَّ الشرع جاء بحِفظ المصالح وتكميلها، ودَرْء المفاسد وتقليلها، وهذا تفضُّل من الله، وليس بواجب عليه، وأكثر المعتزلة يرَوْن أنَّه واجب أوجبه على نفسه؛ لأنَّه من لوازم حِكمته وعدله.
    تنقسم المصلحة من حيث اعتبارُ الشَّرْع لها إلى ثلاثة أقسام:
    1- مصلحة ملغاة: وهي كلُّ منفعة دلَّ الشَّرْع على عدم الاعتداد بها، والضابط هو مخالفتها لنصّ، أو إجماع، أو قياس جَلِيّ.
    2- مصلحة اعتبرها الشارع بعينها، وراعاها في أصْل معيَّن يمكن أن يُقاس عليه ما يشبهه: وهي التي تتضمنها العِلَّة في القياس، ويسميها بعضُهم المناسبة، ومثالها: مصلحة تحريم الخمر، يقاس عليها كلُّ ما يُذهِب العقل.
    3- مصلحة اعتبر الشارع جِنسَها، ولا يشهد لعينها أصلٌ معيَّن بالاعتبار؛ أي: لا نجد نصًّا خاصًّا على تحقيقها بحُكمٍ بخصوصه، ومثالها: جمْع القرآن في مصحف واحد، وهذه المصلحة هي التي تُسمَّى المصلحة المرسَلة، وهي التي اختُلِف في حُكم الاحتجاج بها على إثبات الأحكام الشرعية.
    حكم العمل بالمصلحة المرسلة:
    خالَف بعضُهم في الاحتجاج بها في حالة عدِّها دليلاً مستقلاًّ، أو في تقديمها على النصوص، أو في المصالح المعارِضة بمثلها، أو بما هو أعظمُ منها، وجمهور الفقهاء على الاستدلال بها، وأكْثرَ الإمامُ مالك من العمل بها، حتى ظنَّ بعضُ الناس اختصاصَه بها.
    ومن أدلتهم: الآيات الدالة على أنَّ الشريعة جاءتْ لمصالح العِباد، وأيضًا عمل الصحابة - رضي الله عنهم - بها فيما طَرَأ لهم من الحوادث، كجَمْع القرآن في مصحف واحد.
    ويُشترط للعمل بالمصلحة المرسلة ما يلي:
    • أن تكون المصلحة حقيقيَّةً، لا متوهَّمة.
    • ألاَّ تُعارِض نصًّا من كتاب أو سُنَّة، أو إجماعًا صحيحًا.
    ألاَّ تعارض مصلحةً مساوية لها، أو أعظم منها، فلا بدَّ من الترجيح، والمصلحة العامة مُقدَّمة على الخاصة.
    • أن تكون في مواضع الاجتهاد، لا في المواضع التي يتعيَّن فيها التوقيف.
    أمثلة تطبيقية للعمل بالاستصلاح:
    • وضْع الإشارات التي تُنظِّم السَّيْر في الطرقات.
    • تسجيل الأنكحة والمواليد في سِجلاَّت خاصَّة.
    سد الذرائع
    تعريف الذرائع:
    لغة: الوسيلة المؤدِّية إلى الشيء.
    واصطلاحًا: منْع الوسائل المفْضِية إلى المفاسِد.
    والأقوال والأفعال المؤدِّية إلى المفْسدة أربعةُ أقسام:
    الأول: وسيلة موضوعة للإفضاء إلى المفسدة قطعًا، كالزِّنا، فهذا القسم جاءتِ الشريعة بمنْعِه بالتحريم، أو بالكراهة.
    الثاني: وسيلة موضوعة للإفْضاء إلى المباح، وقد تُفْضي إلى المفسدة، ومصلحتها أرجحُ من مفسدتها، مثل النظر إلى المخطوبة، هذا القسم جاءتِ الشريعة بمشروعيته بالإيجاب، أو بالاستحباب.
    الثالث: وسيلة موضوعة للإفْضاء إلى المباح، ولكن قُصِد بها التوسُّل إلى المفسدة، مثل عقْد النكاح بقصد تحليل الزوجةِ لزوجها الأوَّل، الذي طلَّقها ثلاثًا.
    الرابع: وسيلة موضوعة للإفْضاء إلى المباح، ولم يُقْصَد بها التوسُّل إلى المفسدة، ولكنَّها تؤدِّي إليها غالبًا، ومفسدتها أرجحُ من مصلحتها، مثل: سب آلهة الكفَّار علنًا إذا كان يُفضي إلى سبِّ الله - جلَّ وعلا.
    والقسمان الثالث والرابع هما موْضِعُ النِّزاع:
    ومذهب المالكية والحنابلة ومَن وافقهم: أنَّ سدَّ الذرائع دليلٌ شرعي تُبْنَى عليه الأحكام.
    وذهب آخرون إلى عدم الاستدلال بها، ولم يُوجِبوا سدَّ الذرائع المؤدية إلى المفسدة، إلاَّ أنْ يَرِد بمنعها نصٌّ أو إجماع أو قياس، ولكنَّهم لم يطردوا في فروعهم الفقهيَّة، بل قالوا في بعض الفروع بالمنْع دون بعضها الآخر.
    وممَّا يدلُّ على صحَّة العمل بقاعدة سدِّ الذرائع ما يلي:
    • قوله - تعالى -: {وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 108].
    • منْع الشارع القاضي مِن أخْذ الهدية؛ لئلاَّ يكون ذريعةً إلى أخْذ الرِّشوة.
    • والذريعة الموصلة إلى الواجب واجبة، وإعطاء الوسيلة حُكمَ المتوسَّل إليه دليلٌ على حِكمة الباري، وعِلمه بخصائص النَّفْس البشرية؛ لأنَّه لو حرَّم الشيء، وأباح الوسائل الموصلة إليه غالبًا لوقع الناس في حَرَج عظيم.
    الباب الثالث
    دلالة الألفاظ
    الأحكام الشرعيَّة تُستفادُ من الألفاظ، إما بطريق الدلالة المباشِرة، أو بطريق الإشارة والإيماء، ومِن أهم ما يجب معرفته:
    الأمر والنهي:
    فهما أساسُ التكليف، ولشَرَفِ المأمور به قُدِّم الأمرُ على النهي، واكتفَى أكثرُهم في النهي بالإشارة إلى أنه عكسُ الأمر في دلالته.
    الأمر:
    تعريفه:
    كلمة الأمر عرَّفها بعضُ الأصوليِّين بأنها: طلب الفِعْل بالقول على جِهة الاستعلاء.
    خالَف الجمهورَ جماعةٌ من الأصوليِّين، ورأوا أنَّ الأمر قد يكون بالفِعْل، كالإشارة والكتابة، والصواب أنَّ اشتراط العلو أقربُ؛ لأنَّه صفة في الآمِر، وأما الاستعلاء فصِفة في الأمْر نفسه.
    واتَّفق العلماء على أنَّ الأمر يشترط فيه إرادة التكلُّم بالصيغة، فلو صدر مِن نائم ونحوه، لا يُسمَّى أمرًا في الاصطلاح، وإن وجدتِ الصيغة، ولكنَّهم اختلفوا هل يشترط فيه إرادةُ الآمر إيقاعَ الفعل المأمور به، والفريقان لم ينتبهَا إلى أنَّ الإرادة نوعان:
    إرادة كونية قدرية: وهي ما أراد الله وقوعَه، سواء أحبَّه أم كرهه.
    الإرادة الشرعية: وهي ما أمر الله به عبادَه وأحبَّه، ولكنَّه قد يقع أو لا يقع تبعًا لتقدير الله.
    صيغ الأمر:
    يرى جمهورُ الأصوليِّين وأهل اللغة: أنَّ الأمر له صيغ تدلُّ عليه حقيقة، من غير حاجة إلى قرينة، وهي:
    فعل الأمر، مثل: ((صلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي)).
    المضارع المقرون بلام الأمر، مثل: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ} [الطلاق: 7].
    المصدر النائب عن فِعْل الأمر، مثل: {فَضَرْبَ الرِّقَابِ} [محمد: 4].
    اسم فعل الأمر، مثل: "صه"؛ أي: اسكت.
    وهناك أساليبُ أخرى يُستفاد منها الأمر، لم يشتغلِ الأصوليون بحصرها لصعوبة ضبطها، غير أنَّهم قالوا: إنَّ الخبر قد يأتي بمعنى الأمر، ومِن أمثلته قوله - تعالى -: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228]، فكأنَّه قال: المطلَّقات مأموراتٌ بالانتظار ثلاثةَ قروء.
    ويشمل مقتضى الأمر ما يلي:
    دلالة الأمر على الوجوب: ذهب أكثرُ الأصوليِّين إلى أنَّ الأصل حملُه على الوجوب، ومن أدلَّتهم:
    قوله - تعالى -: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63].
    قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((لولا أن أشقَّ على أمَّتي لأمرتُهم بالسِّواك عندَ كلِّ صلاة)).
    القول الثاني: أنه موضوعٌ للقدر المشترك بيْن الوجوب والنَّدْب؛ لأن المأموراتِ منها ما هو واجب، ومنها ما هو مندوب، وهذا القول في حقيقته يؤول إلى القول الثالث؛ لأنَّ المتيقَّن عندهم هو الندب، ولا يحمل على ما زاد عليه إلاَّ بدليل.
    القول الثالث: أنه موضوع للنَّدْب، واستدلُّوا بأنَّ الأمر طلبُ الفعل، وهذا يتحقَّق بحمله على الندب، فلا نزيد عليه.
    وهناك أقوال أخرى، منها: أنَّ مدلول الأمر الإباحة، والراجح هو القول الأول.
    دلالة الأمر على الفورية:
    اتفق العلماء على أنَّ الأمر يدلُّ بحسب القرينة على الفَوْر، أو على جواز التراخي، وإذا حُدِّد له وقتٌ معيَّن، حُمِل على ذلك، واختلفوا في الأمر الذي لم تصحَبْه قرينة على قولين:
    الأول: أنه يدلُّ على الفور، ومِن أدلتهم: قول الله – تعالى -: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} [آل عمران: 133].
    الثاني: أنه للقَدْر المشترك بين الفَوْر والتراخي، ولا تعرض فيه لوقت الفِعْل، ومن أدلتهم: أنَّ الأمر يَرِد للفور حينًا، ولجواز التراخي حينًا آخر، فلا بدَّ مِن جعْله حقيقةً في القدْر المشترك.
    والراجح - والله أعلم -: أنَّ الأمر المطلَق يُحمل على الفور؛ لأنَّ المبادرة إلى الفعل يحصُل بها براءة الذِّمَّة، والتأخير ربما ترتَّب عليه تفويتُ الفِعل.
    ثمرة الخلاف:
    ينبني عليه خلافٌ في مسائل كثيرة، منها: حُكم التأخُّر في إخراج الزكاة، وفي الحج مع الاستطاعة، وقضاء الفوائت.
    3- دلالة الأمر على التكرار:
    محل النزاع هو في التَّكرار الذي لا يؤدِّي إلى مستحيل عقلاً أو شرعًا، وفي الأمر الذي ليس مقيَّدًا بمرة، ولا بتَكْرار، ولا معلقًا على شرْط ولا صِفة، وفيه قولان مشهوران:
    الأول: أنَّ الأمر المطلَق يقتضي التَّكْرار بحسب الإمكان، ومن أدلَّتهم: أنَّ الأمر بالشيء نهيٌ عن ضدِّه، والواجب ترْك المنهيات في جميع الأوقات.
    الثاني: أنَّ الأمر المطلق لا يُفيد التَّكْرار، وهو قول أكثر الفقهاء والمتكلِّمين، ومن أدلتهم: أنَّ صيغة الأمر لا تعرُّضَ فيها لعدد مرَّات الفعل، مع أنَّ القول بالتَّكْرار يؤدِّي حتمًا إلى تعارض الأوامر، بحيث يبطل بعضها بعضًا، وهو ممنوع شرعًا، وهذا القول هو الراجح.
    ومن أمثلة أثر الخلاف: لو قال لوكيله: طَلِّق زوجتي، فالوكيل يملك ثلاثًا عندَ مَن يقول بالتَّكْرار، ولا يملك إلا واحدةً على القول الآخر.
    الأمر المعلق على شرط هل يقتضي التكرار؟
    الراجح - والله أعلم -: أنَّ الأمر المعلَّق على شرْط يتكرر بتكرر الشرط؛ لأنَّ تعليق الفعل على شرط دليلٌ على كوْن هذا الشرط عِلَّةً للفعل.
    ومما ينبني على هذه القاعدة اختلافُ الفقهاء في مسائل، منها: هل يلزم الترديدُ مع المؤذِّن عند تَكْرار الأذان، والرد عندَ تَكْرار السلام، تحية المسجد عند تَكْرار دخوله.
    سقوط الأمر المؤقت بفوات وقته[13]:
    اختلف العلماء في المسألة على ثلاثة أقوال:
    الأول: أنَّ الأمر المؤقَّت لا يسقط بفوات وقته، بل يجب قضاؤه بالأمر الأول، ولا يحتاج إلى أمر خاص بالقضاء، ومن أدلَّتهم: أنَّ الواجب إذا شُغلت به ذِمَّةُ المكلَّف، فلا تبرأ إلا بأداء، أو إبراء، وأيضًا قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((فدَيْنُ الله أحقُّ بالقضاء))، وهو الراجح - والله أعلم.
    الثاني: أنَّ الأمر المؤقَّت يسقط بفوات وقتِه، ولا يُقضَى إلا إذا قام دليلٌ خاص على مشروعية قضائه. وهذا القول هو نفسه قولُ مَن قال: القضاء لا يثبت إلا بأمر جديد، وهذا هو قول أكثر الأصوليِّين، ومن أدلتهم: أنَّ تحديد وقت معيَّن للعبادة دليلٌ على أنه إذا فات فلا فائدة مِن إيجاب القضاء.
    سبب الخلاف يرجع إلى قاعدتين:
    الأولى: أنَّ الأمر بالمركَّب أمرٌ بكل واحد من أجزائه.
    الثانية: أنَّ تخصيص الفعل بوقت معيَّن لا يكون إلا لمصلحة في ذلك الوقت.
    فمَن راعى القاعدة الأولى أوجبَ القضاء بالأمر الأول، ومَن راعى القاعدة الثانية لم يوجبِ القضاء إلا بأمر جديد.
    وهذا ينبني عليه خلافٌ في مسائل فقهية كثيرة، منها: وجوب قضاء الصلوات المتروكة عمدًا؛ تهاونًا لا جحدًا، وأيضًا زكاة الفِطر.
    اقتضاء الأمر الإجزاء بفعل المأمور به[14]:
    الإجزاء يطلق على معنيَيْن: امتثال أمر الشارع، وسقوط القضاء.
    وقد ذكرتْ كتب الأصول خلافًا في المسألة على قولين:
    الأول: أن فعل المأمور به يقتضي الإجزاءَ بمعنى سقوط القضاء، ومن أدلتهم: أنَّ المكلَّف امتثل للأمر، فوجب سقوطُ القضاء، ولَمَّا سُئِل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن إجزاء حجِّ امرأة عن أمِّها التي ماتتْ ولم تحج، قال: نعم؛ أي: إنَّها فهمت الإجزاء مِن فعل المأمور به، وهذا هو الراجح.
    الثاني: أنَّ فعل المأمور به لا يقتضي الإجزاءَ بمعنى سقوط القضاء، ومن أدلتهم: أنَّ مَن أفْسَد حَجَّه، يؤمر بالمضي فيه وإتمامه، ويجب عليه القضاء، ومَن صلى ظانًّا أنه متطهر، ثم تبيَّن له أنه صلَّى بلا طهارة، فإنه يجب عليه القضاءُ باتفاق.
    والخلاف في هذه القاعدة له صلةٌ بالخلاف في تعريف الصحيح بيْن الفقهاء والمتكلِّمين، فالفقهاء يُعرِّفونه بأنه: ما أسقط القضاء، والمتكلِّمون يعرفونه بأنَّه ما وافق أمْرَ الشارع في اعتقاد المكلَّف.
    ثمرة الخلاف:
    نَتَج عن الخلاف في هذه القاعدة الخلافُ في مسائل، منها: فاقِد الطهورين، قال بعض الفقهاء: يصلي على حاله، ثم يقضي إذا وجد الماء أو التراب، ومقتضى قول الجمهور في القاعدة: أنَّه لا قضاء عليه، ومثله المحبوس في محلٍّ نجس.
    الأمر بالأمر بالشيء:
    والمراد: هو الأمر إذا كان مضمونه أمرًا لشخص ثالثٍ مثلاً، فهل يُعدُّ الشخص الثالث مأمورًا من قبل الآمِر الأول؟
    تحرير محل النزاع:
    وضَعَ بعضهم للصورة الخارجة عن محلِّ النزاع ضابطًا، فقال: إذا كان الآمِر الأول تجب طاعتُه على المأمور الأول والثاني، فيكون الأمر بالأمر بالشيء أمرًا بذلك الشيء في حق المأمور، والصحيح: أنَّها لو خرجتْ لم يبقَ للنزاع فائدة، فإنَّ بحث الأصوليين إنما هو في أوامر الله، وأوامر رسوله - صلى الله عليه وسلم - وطاعتهما واجبةٌ على الكلّ.
    وتخرج الصورة التي يكون فيها المأمورُ الأول مبلِّغًا عن الثاني، كقوله: قُلْ لفلان: إني آمرُه بكذا.
    الأقوال في المسألة:
    الأول: مذهب جمهور الأصوليِّين أنَّ الأمر بالشيء ليس أمرًا بذلك الشيء في حقِّ الطَّرَف الثالث. واستدلُّوا بأدلَّة، أهمها قولُ الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ((مُروا أبناءَكم بالصلاة لسبع))، فلو كان الأمرُ بالأمر أمرًا، لكان هذا أمرًا منه للصبيان، والإجماع على أنَّهم غيرُ مأمورين بالصلاة.
    الثاني: نُسِب لبعض الشافعية أنَّ الأمر بالأمر بالشيء أمرٌ بذلك الشيء، ومن أدلتهم: ما ورد أنَّ ابن عمر طلق زوجتَه وهي حائض، فأخبر عمرُ - رضي الله عنه - الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - فقال: ((مُرْهُ فليراجعها))، فأمرُ عمرَ أمرٌ لابنه؛ ولذا رُوي الحديث بلفظ: "أمَرَ رسول الله ابنَ عمر أن يُراجِع زوجتَه".
    وردَّ الجمهور بأوجه، منها: أنَّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - أمر عمر بأن يأمر ابنَه، ثم لَمَّا لقيه ابن عمر، أمره بالمراجعة،؛ ولذلك فالراجح هو القول الأول، مع استثناء ما لو قال الأول: قلْ لفلان: إني آمره بكذا.
    ثمرة الخلاف:
    خرَّج بعضُ العلماء على هذه القاعدة مسائلَ فرعية، منها: ذَهاب بعض العلماء إلى وجوب مراجعة المطلَّقة في أثناء الحَيْض، بناءً على أنَّ الأمر بالأمر أمرٌ، وذهب آخرون إلى أنَّها لا تجب، بناءً على أن الأمر بالأمر ليس أمرًا، ولم يثبت أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - باشَرَ ابنَ عمر بالأمر.
    دلالة الأمر بالشيء على النهي عن ضده:
    اختلف العلماء على أقوال:
    الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ الأمر يقتضي النهيَ عن ضدِّه أو أضداده، إن كان له أضدادٌ كثيرة، واستدلُّوا بأدلة، أهمها: أنَّه لا يمكن الإتيانُ بالمأمور به إلا بترْك ضده، وما لا يتمُّ فعل الواجب إلا بترْكه، فهو حرام.
    الثاني: أنه ليس نهيًا عن الضد، وهو قول بعض المعتزلة، واستدلُّوا بأدلة، أهمها: أنَّ الضد مسكوتٌ عنه، ولم يذكر في الأمر.
    الثالث: أنَّ الأمر بالشيء يقتضي كراهةَ ضدِّه، وهو اختيارُ بعض الحنفية.
    الترجيح:
    الراجح - والله أعلم -: أنَّ الأمر بالشيء يقتضيَ النهي عن جميع أضداده، إذا كان المأمور معيَّنًا، وقد ضاق الوقت عن غيره، ولا يقال: هو عين النهي عن ضدِّه، ولا أنه يقتضي النهيَ عن ضده مطلقًا.
    ثمرة الخلاف:
    ذكر الأصوليُّون بعض الفروع التي تنبني على هذه القاعدة، ومنها: إذا قال الزوج: إن خالفتِ نهيي فأنتِ طالق، ثم أمَرَها بشيء ففعلتْ ضدَّه، فهل تطلق؟ فعلى القول بأنَّ الأمر بالشيء يقتضي النهيَ عن ضده تطلق، وعلى القول الثاني لا تطلق، وعلى المختار لا تطلق إلاَّ إذا كان الأمرُ مخيرًا أو موسعًا.
    سبب الخلاف:
    الخلاف في هذه القاعدة يرجع إلى ثلاثة أسباب:
    قولهم: لا تكليفَ إلا بفعل، فإذا سلَّموا بهذه القاعدة، وقالوا: التَّرْك ليس فعلاً، فلا بدَّ أن يقولوا: الأمر بالشيء يقتضي النهيَ عن الضد.
    مَن اشترط الإرادة في الأمر والنهي لم يقل: إنَّ الأمر بالشيء نهيٌ عن ضده؛ لاحتمال غفلةِ الآمر عن الضِّد، ومَن لم يشترطْها قال العكس.
    القول بأنَّ الأمر المُطلَق يقتضي الفورية، يناسبه أنَّ الأمر بالشيء يقتضي النهيَ عن ضده، بخلاف القول بعدم الفورية.
    الأمر بعد الحظْر:
    اشتهر عند الفقهاء قولهم: الأمر بعد الحظْر للإباحة، وقد اختلف الأصوليُّون في ذلك على أقوال:
    الأول: أنَّ الأمر بعدَ الحظر للإباحة، ومن أدلَّتهم: أنَّ هذا هو العُرف الشرعي؛ كما في قوله - تعالى -: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [المائدة: 2]، وقوله - تعالى -: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [الجمعة: 10]، وكذلك هو العُرْف اللغوي؛ لأنَّ السيد لو قال لعبده: لا تأكلْ هذا الطعام، ثم قال له: كلْ، فأهل اللغة متَّفقون على أنَّ هذا ليس إيجابًا.
    الثاني: أنَّ الأمر لا تختلف دلالته بعدَ الحظْر عن دلالته قبله، ومن أدلتهم: أنَّ الأمر الواقع بعد الحظْر يكون ناسخًا له، وقد ينسخ التحريم بالإيجاب، أو بالإباحة، أو بالندب، وإذا احتمل المعاني الثلاثة، فالأصل حملُه على أصله، وهو الوجوب عند الجمهور.
    الثالث: إذا وردَ الأمر بصيغة: (افعل) ونحوها، فهو للإباحة، وإن وردَ مصرَّحًا فيه بلفظ الأمر، كقوله: أنتم مأمورون، فيحمل على الوجوب، ودليلهم: أنَّ العُرْف الشرعي جرى في الأمر بصيغة (افعل) ونحوها، وأما لفظ الأمر المصرَّح فيه بمادة (أمر)، فلا عُرْف فيه، فيبقى على الوجوب.
    الترجيح: الراجح هو القول الأول، إلاَّ أنَّ يقوم دليلٌ على خلاف ذلك.
    ثمرة الخلاف:
    الخلاف راجعٌ إلى تقدُّم الحظْر على الأمر هل هو قرينةٌ توجِب صرْفَه إلى الإباحة؟ فمَن جعله قرينة، صرفه صرْف الأمر إلى الإباحة؛ أي: إلى ما كان عليه قبل الحظْر، ومن لم يجعله قرينةً صارفة، حملَه على الوجوب إن كان ممَّن يقول: إنَّ الأمر المطلق للوجوب، أو على الندب إن كان ممَّن يقول: إنه للندب.
    الأمر في الواجبات الكفائية:
    ذهب الأكثر إلى أنَّ الأمر فيها موجَّه لكلِّ واحد من الأمَّة، ويسقط بفعل مَن يكْفي، واستدلُّوا ببطلان احتمال توجهه إلى بعض مبهم؛ لأنَّه في هذه الحال سيؤدِّي إلى ترْك الواجب.
    وذهب بعضُ العلماء إلى أنَّه موجَّه إلى بعض مبهم، واستدلوا بأنَّه لو توجه إلى الجميع لَمَا سقط بفعل البعض، وأيضًا فإنَّ الإبهام في المكلَّف به جائز، فكذلك الإبهام في المكلِّفين.
    والراجح: أنَّ الأصل فيه أن يتوجه إلى المجموع لا إلى الجميع؛ أي: لا لكل فردٍ بخصوصه، ولا إلى بعض مبهم.
    تعلق الأمر بالمعدوم:
    الخلاف في هذه المسألة من المسائل الكلاميَّة، وهو عديم الفائدة في الفروع الفقهيَّة، وسبب إثارتها أنَّ الكثير من الدارسين يجهل حقيقتَها، وخلاصتها: أنَّ المعتزلة أثاروا سؤالاً ضد الأشعرية، مفادُه: أنه لو كان كلام الله قديمًا أزليًّا - كما يدَّعون - لتعلَّق الأمر بالمأمورين قبل وجودهم، فاضطروهم إلى القول بأنَّ الأمر يتوجه للمعدوم.
    النهي
    تعريفه:
    لغة: المنع.
    واصطلاحًا: هو القول الطالِب للتَّرْك على سبيل الاستعلاء.
    وقد اختلفوا في زيادة قَيْد العلو أو الاستعلاء، كما سبق في الأمْر.
    صيغة النهي:
    للنهي صيغةٌ واحدة متَّفق على كونها تفيد النهي، وهي صيغة: (لا تفعل)، وزاد بعض الأصوليِّين صيغتي: (انته) و(اكفف)، ونحوهما من الأوامر الدالَّة على التَّرْك.
    وهناك أساليبُ كثيرة يُعرف بها تحريم الفعل، ومنها - على سبيل المثال لا الحصر -:
    لعْن اللهِ أو رسولِه للفاعِلِ، أو توعُّده بالعقاب، أو إيجاب الحدِّ عليه.
    الخبر، مثل قوله - تعالى -: {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ} [الممتحنة: 9].
    وصف العمل بأنَّه من صفات المنافقين، أو من صفات الكفَّار.
    اقتضاء النهي التحريم:
    النهي الذي صحبتْه قرينة تدلُّ على التحريم يحمل على التحريم باتِّفاق؛ كقوله - تعالى -: {وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَا} [الإسراء: 32]، وإذا كانتِ القرينة للكراهة، فيُحمل على الكراهة، مثل: النهي عن السآمة مِن كتابة الدِّين لكونه نهيَ إرشاد.
    وقد تُصرَف القرينة صيغة (لا تفعل) إلى الدُّعاء، والالْتماس، ونحوهما من المعاني، فتخرج عن كونها نهيًا.
    واختلفوا في النهي الذي لم تصحْبه قرينةٌ تدلُّ على أنه للكراهة أو التحريم:
    فذهب جماهيرُ العلماء إلى أنَّه يُحمل على التحريم، ومن أدلَّتهم قوله - تعالى -: {وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7]، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((وإذا نهيتُكم عن شيءٍ فانتهوا)).
    اقتضاء النهي الفورية والاستمرار:
    النهي يقتضي الكفَّ عن المنهي عنه فورًا على الدوام، ما لم تَقُم قرينةٌ على خلاف ذلك؛ لأنَّ المنهي عنه مفسدة.
    النهي عن الشيء أمر بضدٍّ من أضداده:
    النهي إذا كان له ضدٌّ واحد، فالنهي يستلزم الأمرَ به، كالنهي عن الصَّوْم في العيدين يقتضي الأمرَ بالفطر فيهما.
    وإن كان له أضدادٌ كثيرة، فهو يستلزم الأمرَ بضدٍّ واحد من أضداده غير معيَّن، كما هو الحال في الواجب المخيَّر؛ وذلك لأنَّ ما لا يتمُّ ترْك الحرام إلا به فهو واجب، ووجوبه من باب وجوب الوسائل لا مِن باب وجوب المقاصِد.
    النهي بعد الأمر:
    ذهب جمهورُ العلماء - إلا مَن شذَّ منهم - إلى أنَّ النهي بعد الأمر يحمل على التحريم، وذهب بعضهم إلى التسوية بيْنه وبيْن الأمر بعدَ الحظر، وتوقف بعضهم.
    والصحيح الأول؛ لأدلَّة، منها: أنَّ صيغة (لا تفعل) يندر وجودُها لغير التحريم، وأيضًا فالنهي لم يقُمْ فيه عرفٌ شرعي ولا لغوي يحملُه على الإباحة.
    اقتضاء النهي الفساد:
    محل النِّزاع في هذه المسألة:
    أدخل فيها قسمٌ من العلماء كلَّ نهي، سواء حمل على التحريم، أم على الكراهة، وأخرج آخرون النهي عن العبادات، وادُّعِي الاتفاق على أنَّ النهي عنها يقتضي بطلانها، وليس الأمر كذلك، وقسَّمه بعضُهم إلى:
    • النهي عن الشيء لذاته: ومثاله النجاسات، فلا خلاف أنَّه يقتضي البطلان، ولكن الإشكال أنَّهم لم يذكروا له حدًّا مميزًا، فقد يقول قائل: إنَّ الربا منهي عنه لذاته، ويقول آخر: بل لوصفه.
    • النهي عن الشيء لوصف ملازم: كالنهي عن صوْم يوم العيد، وهذا يقتضي الفسادَ عند جمهور العلماء، وخالف آخرون بأدلَّة لا تُجاري أدلَّة الجمهور، الذين استدلُّوا على أنَّ النهي يقتضي الفساد في هذين القسمين الأولين، بقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((مَن عمِل عملاً ليس عليه أمرُنا فهو ردّ))، وبأنَّ المنهي عنه مفسدة، والقول بصحَّته مع النهي عنه يدفع المكلَّفِين إلى عصيان النهي، وفي تصحيح المنهي عنه فتح لذريعة المحرَّم.
    النهي المتعلِّق بأمر خارج عن المأمور به ذي صلة به من حيث كونه متعلقًا بشرْط من شروطه الشرعيَّة، أو العقليَّة، أو العادية، ومثاله: الصلاة في الدار المغصوبة، فإنَّ النهي انصبَّ على الغَصْب، وليس على الصلاة، فهي صحيحةٌ مع الإثم على الغاصب.
    فهذا لا يقتضي الفسادَ عند أكثر العلماء وهو الراجح، والدليل على ذلك أنَّ الأمر والنهي في هذه الصور لم يَردَا على محل واحد، فيصح الفعل الجائز، ويترتَّب الإثم على مخالفة النهي.
    وهذه المسألة ذات صلة وثيقة بمسألة: هل المكروه مأمور به؟ والظاهر أنَّه ينبغي التفريق بينهما:
    فالأولى: يجب حصرُها في الأشياء التي ورد النهي عنها، كالبيْع على بيْع أخيه.
    والثانية: يجب حصرُها في عبادة ورَدَ الأمر بها، وورد النهي عن شيءٍ ذي صلة بها، ولكنَّه ليس خاصًّا بها، كالصلاة في الدار المغصوبة لم يَرِدْ نصٌّ بخصوصها.
    العام والخاص
    التعريف:
    العام لغة: من العموم؛ أي: الشمول والإحاطة.
    وفي اصطلاح جمهور الأصوليِّين هو: "اللفظ المستغرَق لجميع ما يصلح له بحسب وضْع واحد".
    وهو عند المتقدِّمين منهم: ما عمَّ شيئين فصاعدًا، وهذا التعريف لا يميزه عن المطلق.
    شرح التعريف: والاستغراق هو التناول مع الاستيعاب لجميع ما يدخُل تحت اللفظ لغةً أو عُرفًا، وقوله: "بحسب وضْع واحد"، يخرج المشترَك اللفظي مثل "القُرْء" الدال على الطُّهْر والحيض.
    والعموم والخصوص وصفان نسبيَّان، فقد يكون اللفظ عامًّا بالنسبة إلى ما تحتَه من الأفراد، وخاصًّا بالنسبة إلى ما فوْقَه، ومثاله قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((مَن قتل قتيلاً فله سلبُه))[15]، فالسلْب خاصٌّ بالنسبة للغنيمة، وهو عامٌّ في لباس المحارب.
    الفرْق بيْن العام والمطلق:
    وجه الشبه أنَّ كلاًّ منهما له عمومٌ في الجملة، وبينهما فروق، مجملها أنَّ لكلٍّ منهما تعريفًا خاصًّا به، ومن حيث الحُكم، فإنَّ المطلق إذا ورد الأمرُ به لا يتناول جميع الأفراد التي تصلح للدخول تحتَ اللفظ، بل تحصل براءة الذِّمَّة بواحد منها، وعكسه العام، فقوله - تعالى -: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المجادلة: 3]، مطلق؛ لأنَّه لم يؤمرْ بكل رقبة، بل بواحدة، ولو جاء اللفظ عامًّا، لوجب تحريرُ جميع الرقاب.
    أقسام العام:
    التقسيم الأول: باعتبار طريق معرفة عمومه، ينقسم إلى:
    1- العام لغة: وهو ما عُرِف عمومُه بالوضع اللغوي.
    2- العام عقلاً: وهو ما عُرِف عمومه بطريق العقْل، كالعموم المستفاد بطريق التعليل.
    3- العام عُرفًا: وهو ما عرف عمومه بعُرْف الشرع، كعموم الخِطاب الوارد بصيغة جمْع الذكور للإناث، أو بعُرْف أهل اللغة، كقوله - تعالى -: {فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الإسراء: 23]، فالتأفُّف من الوالدَيْن عام في كلِّ ما فيه أذًى لهما.
    وقسَّموه أيضًا بهذا الاعتبار إلى:
    لفظي: وله ألفاظ سيأتي بيان بعضها.
    معنوي: وهو العموم المستفاد من طريق المعنى، مَع خصوص اللفظ الدالِّ عليه من حيثُ الوضع، وهو أنواع:
    1- العموم المستفاد بطريق الاستقراء: وهو صياغة القواعد الشرعية بلفظ عامّ؛ ليسهلَ فَهْمُ الأحكام من فروع الشريعة بعدَ تتبُّعها واستقرائها، ومثاله: (الضَّرَر لا يُزال بمثله).
    2- العموم المستفاد من اللفْظ الموجَّه لواحد من الصحابة: فإنِ اقترن به ما يدلُّ على الخصوصية، فهو خاص بمَن وُجِّه إليه بلا خلاف، وإن لم يقترن به ذلك، فتذكُر كُتبُ الأصول خلافًا فيه، لكن الظاهر هو عموم حُكم الخطاب لجميع المكلَّفين، الذين حالهم كحال ذلك الصحابي، ولكن اختلف في شكل العموم:
    فريق جعلوه عامًّا بطريق القياس، فأنكروا العمومَ من حيثُ اللفظ؛ لأنه خاص بمكلَّف، ولكنهم ألحقوا به غيرَه ممن حالهم كحاله بطريق القياس.
    وفريق جعلوه عامًّا بطريق العُرْف الشرعي؛ لأنَّ الأصل في التشريع العموم، ولا يخصص به فردٌ إلا بدليل قوي، وهذا أولى؛ لأنَّ القائل به لا يحتاج إلى البحث عن عِلَّة القياس.
    وقد بنى بعضُهم على هذا الخلاف اختلافَهم في بعض الفروع الفقهية، ومنها حُكم المحُرِم إذا مات، فحمل أكثرُ العلماء على العموم حديث الصحابي الذي وقصَتْه ناقتُه فمات وهو مُحرِم، وجعله بعض العلماء خاصًّا به.
    3- عموم الخطاب الموجَّه للرسول - صلى الله عليه وسلم - للأمة:
    فإن قام دليلٌ على الخصوصية فهو خاص به؛ كقوله - تعالى -: {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [الأحزاب: 50]، وإنِ اقترنت به قرينةٌ تدلُّ على العموم فهو للعموم، كصيغة الجمْع في قوله - تعالى -: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: 1].
    واختلفوا في الخِطاب الذي لا يدلُّ لا على خصوص، ولا على عموم، ومثاله قوله - تعالى -: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ} [الأحزاب: 1]، قال بعض العلماء: إنَّه خاص بالرسول - صلى الله عليه وسلم - بدليل أنَّ اللفظ خاصٌّ مِن حيث الوضع اللغوي، فيبقى على خصوصه، حتى تقومَ دلالةٌ على صرْفه عنه.
    وقال آخرون: إنَّه عام، واحتجُّوا بأنَّ مِن عادة العرب توجيهَ الخطاب لكبير القوم، والمراد جميعهم، وبالآيات الدالَّة على وجوب الاقتداء بالرسول - صلى الله عليه وسلم -.
    ويظهر أثرُ الخلاف حين يفعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - فعلاً على خلاف ما نهى عنه الصحابة، فعلى القول بعموم الخِطاب، فلا تردُّد في أنَّ فعله يُخصِّص العموم وينسخه، إن جاء بعدَ العمل، وعلى القول الآخر، فلا يعد فعله تخصيصًا ولا نسخًا، حتى نعلمَ أنه فعل امتثالاً لخطاب عام.
    4- عموم المفهوم:
    أ- مفهوم الموافقة: ومثاله قوله - تعالى -: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا} [النساء: 10]، فالآية من حيثُ المفهوم عامَّة في كل تصرُّف يفوِّت على اليتيم مالَه.
    ب- مفهوم المخالفة: ومثاله قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا بلغ الماءُ قُلَّتين لم يحملِ الخبث))، فمفهومه: أنَّ كل ماء نقص عن القُلَّتين يحمل الخبث.
    5- عموم العلَّة المنصوصة أو المومأ إليها:
    إذا نصَّ الشارع على تعليل حُكم بعِلَّة متعدية، فإنَّها تفيد عموم الحُكم المعلِّق عليها لجميع الصور التي وُجدتْ فيها، ومثال ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((إنما جُعِل الاستئذانُ من أجْل البصر))، فهذه العلَّة عامة في تحريم الاطلاع على عوْرات الناس، سواء أكان داخلَ البيت أم في أيِّ حِرْز آخر.
    وكذلك إذا أومأ الشارِع إلى العلَّة، كأن يكونَ الوصف الذي رُتِّب عليه الحكم لو لم يكن عِلَّةً له، لكان ذكْره عديمَ الفائدة.
    ومثال ذلك: قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((لا يقضي القاضي وهو غضبان))، فيشمل كلَّ ما يمنع التروِّي في الحُكم، من جوع ونحوه.
    التقسيم الثاني: باعتبار استعماله في عمومه أو عدمه، وينقسم إلى:
    عامٌّ أريد به العموم قطعًا، كقوله - تعالى -: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} [هود: 6].
    عام يُراد به العموم، ويدخله التخصيص، وهو المسمَّى بالعام المطلَق؛ أي: الذي لم يقترن به ما يدل على تخصيصه، ولا على أنه غيرُ قابل للتخصيص.
    عام أُريد به الخصوص، وهو الذي لفظُه عام من حيثُ الوضع، ولكن اقترن به دليلٌ يدل على أنه مراد به بعض مدلوله اللغوي، مثل قوله - تعالى -: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ} [آل عمران: 173]، فلفظ الناس عام، ولكنَّه لم يُردْ به العموم بدليل وجود أناس جمعوا، وأناس مجموع لهم، وأناس نقلوا الخبرَ للمجموع لهم.
    أهم الفروق بين العام المخصوص، والعام الذي أريد به الخصوص:
    عند كثيرٍ من العلماء العام المخصوص حقيقة في الباقي، والعام الذي أُريد به الخصوص مجازٌ فيه.
    العام المخصوص ما كان مخصِّصُه لفظيًّا ومنفصلاً، والمراد به الخصوص ما كان مخصِّصه عقليًّا ومتصلاً.
    العام المخصوص ما كان الباقي تحته بعد التخصيص أكثر، والمراد به الخصوص ما كان المخْرَج منه أكثر.
    وهذا التفريق وإن اهتمَّ به بعضُ الأصوليِّين، فإنه لا يترتب عليه عمل؛ لأنَّهم كالمتفقين على أنَّ العام المخصوص، والمراد به الخصوص لم يُرَدْ بهما جميعُ أفرادهما منذ أن تكلَّم الله بهما.
    صيغ العموم المشتهرة:
    الألفاظ الموضوعة للعموم كثيرة جدًّا، ولكننا سنكتفي بذكْر المشتهرة منها مع التمثيل، وقد اختلفت أساليبُ العلماء في تقسيمها، وفيما يلي تقسيمها إلى مجموعات متجانسة:
    1- كل وجميع: وما يلحق بهما من الألفاظ المستعملة في تأكيد الشمول كـ"أجمعين"، و"عامة"؛ فـ"كل" إما تفيد العموم ابتداء، وتكون مضافةً، وهو الأكثر[16]، وإما تبعًا، ومثاله قوله - تعالى -: {فَسَجَدَ الْمَلاَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} [الحجر: 30].
    وأما لفظ "جميع" فلا يُضاف إلا إلى معرفة، كقولك: "جميع علماء البلد حاضرون"، ويكثر فيها حذفُ المضاف إليه فتُنَوَّن كقوله - تعالى -: {فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ} [يس: 53]، وإذا جاءتْ مؤكدة، فإنها تنصب على الحال غالبًا، وذلك كقوله - تعالى -: {فَكِيدُونِي جَمِيعًا} [هود: 55].
    وأما أجمع وأجمعون، وما جرى مجراها، فلا تأتي إلا تابعةً مؤكِّدة لما قبلها، ولا تضاف لِمَا بعدها.
    ويشترط لعموم (كل) و(جميع) عدم تقدُّم النفي عليهما.
    2- الجمع المحلَّى بـ (أل)، والمضاف:
    أما الجمع المحلَّى بـ (أل) فقد قال بعمومه أكثرُ العلماء، ويشترط أن تكون "أل" المقترنة به للجِنس لا للعهد، والصحيح: أنَّه يعم الأفراد لا الجموع؛ لئلاَّ يتعذر الاستدلال به على المفرد، ومثاله قوله - تعالى -: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ....} [الأحزاب: 35]، ويلحق به اسم الجمع المحلَّى بأل الجِنسيَّة، ومنه قوله - تعالى -: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} [الناس: 1].
    أما الجمع المضاف إلى معرفة: فهو أيضًا يُفيد العموم، ومثاله: قوله - تعالى -: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ} [النساء: 11].
    ومثال اسم الجمع المضاف: قوله - تعالى -: {قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ} [هود: 40]، فلفظ "أهل" اسم جمع.
    3- اسم الجنس المحلى بـ (أل) والمضاف إلى معرفة:
    أما المحلَّى بـ (أل) الجنسيَّة: فقد قال بعمومه كثيرٌ من العلماء، وهو قد يكون:
    • مفردًا: كالرجل والمرأة.
    • ممَّا يستوي فيه القليل والكثير: وهو المسمَّى باسم الجِنس الإفرادي، كالذهب والفِضَّة والتراب.
    • مما لا واحد له من لفظه: ويُسمَّى اسم الجنس الجمعي، كالرهط والناس.
    وأما اسم الجنس المضاف إلى معرفة: فقد أهملَه بعض العلماء، وأطلق بعضُهم القول بعمومه.
    4- أسماء الشرط:
    وأسماء الشرْط يختلف بعضُها عن بعض في الأفراد التي يعمُّها كلٌّ منها:
    • فـ(مَن) تعم العقلاء، كقوله - تعالى -: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} [الزلزلة: 7].
    • و(ما) تعمُّ غير العقلاء، ومثالها: قوله - تعالى -: {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ} [البقرة: 197].
    • و(إذا) و(متى) تفيدان العمومَ في الزمان، مثال ذلك: قوله - تعالى -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 24].
    • و(حيث) و(أين) و(أنى) تفيد عمومَ المكان، وكثيرًا ما تزاد بعدها (ما)، ومثال ذلك قوله - تعالى -: {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 144].
    • و(أيّ): وهي بحسب ما تُضاف إليه، فقد يكون عمومها في الأشخاص، أو في الأزمان، أو في الأمكنة، ونحو ذلك، ومثالها: قوله - تعالى -: {أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الإسراء: 110].
    5- الأسماء الموصولة: التحقيق أنَّ العام بعضها، لا كلها، ومن ذلك:
    أ- (مَن) الموصولة، وهي للعقلاء، كقوله - تعالى -: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184]، وقد تأتي لغير العقلاء، كقوله - تعالى -: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ} [النور: 45]، وقد تقع للخصوص، كقوله - تعالى -: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ} [الأنعام: 25].
    ب– (ما) الموصولة، وهي لغير العاقل غالبًا، كقوله - تعالى -: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: 29]، وقد تعمُّ العاقل وغيره، كقوله - تعالى -: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} [السجدة: 4].
    ج – (الذي) و(التي) وفروعهما، وهذه الموصولات لا تكون عامَّةً إلا إذا كانتْ للجنس، لا للعهد، ومثال ذلك: قوله - تعالى -: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ} [الزمر: 33]، ومثال ما جاء لغير العموم: قوله - تعالى -: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: 29]، وكذا كلُّ ما ورد في صفات الباري - جلَّ وعلا - ونظرًا لكثرة وقوعها للعهْد لم يعدَّها بعضهم من صِيغ العموم.
    د- (أي) الموصولة: وقد أنكر عمومَها جماعةٌ من الأصوليِّين، ومثال ما جاء عامًّا منها: قوله - تعالى -: {ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا} [مريم: 69].
    6- أسماء الاستفهام:
    اختُلِف في عدِّها من صيغ العموم، والمشهور مِن أسماء الاستفهام التي تعمُّ ما يلي:
    (مَن): ويُستفهم بها عن العقلاء، ومثالها قوله - تعالى -: {فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا} [الإسراء: 51].
    (ما): ويستفهم بها عن غير العقلاء غالبًا، كقوله - تعالى -: {مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} [الأنبياء: 52].
    (أين)، و(أنى): ويُستفهم بهما عن المكان، ومثال ذلك: قوله - تعالى -: {فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ} [التكوير: 26]، وقوله: {قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا} [آل عمران: 37].
    (متى)، و(أيان): ويُستفهم بهما عن الزمان، ومثال ذلك: قوله - تعالى -: {وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا} [الإسراء: 51]، وقوله - تعالى -: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا} [الأعراف: 187].
    (أي) الاستفهامية: ومثالها قوله - تعالى -: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ} [الأنعام: 19].
    (كم) الاستفهامية: ومثالها قوله - تعالى -: {قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} [الكهف: 19].
    7- النكرة في سِياق النفي، وما في معناه:
    اتَّفق أرباب العموم على أنَّ النكرة في سياق النفي مِن صيغ العموم في الجملة، وإنما وقع الخلافُ بينهم في بعض صورها، وفي طريقة عمومها، ويشترط لذلك ألاَّ يكونَ النفي لسلْب الحكم عن المجموع، كقولنا: ما كلُّ عدد زوجًا، ومثال النكرة المنفية: قوله - تعالى -: {اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة: 255]، وقد تصحبها (مِن) فتقوِّي دلالتها، حتى إنَّ بعضهم قال: إنها نصٌّ في العموم، ومثالها قوله - تعالى -: {وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللَّهُ} [آل عمران: 62].
    ومثل النفي ما في معناه، وهو:
    المسبوقة بنهي: كقوله - تعالى -: {فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن: 18].
    المسبوقة بشرط: كقوله - تعالى -: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ} [التوبة: 6].
    المسبوقة باستفهام إنكاري: كقوله - تعالى -: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: 65].
    وقد اختلفوا في دلالةِ الفِعْل على العموم إذا وقع في سياق النفي أو النهي، أو الاستفهام الإنكاري، أو الشَّرْط، ومنه قوله - تعالى -: {ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَى} [الأعلى: 13]، واختلفوا أيضًا في مفعول الفعل المتعدِّي إذا حُذِف هل يكون عامًّا، وثمرة الخلاف تتضح في التخصيص بالنية.
    8- الظروف الدالة على الاستمرار:
    مثل (أبدًا) و(دائمًا) ونحوها، فإنها تفيد عموم الأزمنة، كقوله - تعالى -: {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} [النساء: 57].
    الخلاف في وضْع صيغة للعموم:
    ذهب جمهورُ العلماء إلى أنَّ هذه الصيغ التي وضعتْ للدلالة على العموم، إذا وردتْ في الكتاب والسنة، أو كلام العرب، حُمِلت عليه من غير حاجة إلى قرينة، وخالف في ذلك طائفتانِ ليس لهما أثرٌ واضح في الفروع الفقهية، وهما الواقفية، الذين زعموا أن تلك الصيغ مشتركةٌ، وأرباب الخصوص، الذين حملوها على أخصِّ الخصوص.
    ومن أدلة الجمهور قوله - تعالى -: {إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ} [العنكبوت: 33]، فاستدل نوح بدخول ابنه في لفظ (أهل) المضاف إلى المعرفة، وأقرَّه الله - عزَّ وجلَّ - على ذلك، وأجابه بما يدلُّ على أن ابنه ليس من أهله، وكذلك قوله - تعالى -: {وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ * قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا} [العنكبوت: 31- 32].
    قوة دلالة العام:
    اختلف العلماءُ في دلالة العام على ثبوت الحُكم لكلِّ فرد من أفراده، واستُثني من محلِّ النِّزاع أمران:
    دلالة العام الوارد على سبب خاص على صورة السبب، فقد ذهب أكثرُ العلماء إلى أنَّها دلالةٌ قطعية.
    دلالة العام على أخصِّ الخصوص؛ أي: على أقلِّ ما يُطلق عليه اللفظ، فقد نصَّ كثير من الأصوليِّين على أنها قطعية.
    اختلف في قوَّة دلالة العام قبل التخصيص على كلِّ فرْد من أفراده، فذهب الحنفية إلى أنَّها قطعيَّة، والجمهور على أنَّها ظنيَّة، وقد ترتَّب على هذا خلاف في مسائلَ أصوليَّة وفرعية، منها:
    تخصيص عموم القرآن والسنة المتواترة بالآحاد:
    فقد ذهب الحنفيَّة إلى أنَّ العام في القرآن والسُّنة المتواترة إذا لم يسبق تخصيصه بقطعي، لا يجوز تخصيصه ابتداءً بخبر الآحاد، وذهب الجمهورُ إلى جواز ذلك، ومن الفروع المبنية على هذا الأصل: أنَّ الحنفية يوجِبون الزكاة في الخارج من الأرض، ولو لم يكن ممَّا يُكال ويدَّخر، كالفواكه والخضروات، ولا يشترطون النِّصابَ لذلك؛ عملاً بعموم قوله - تعالى -: {وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} [البقرة: 267]، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((فيما سقتِ السماءُ والعيونُ العُشْر))، والجمهور يُخصِّصون عموم الآية بحديث: ((ليس فيما دون خمسه أوسق صدقة)).
    العام بعد التخصيص: اتفق الأصوليُّون والفقهاء من المذاهب الأربعة على أنَّه حجة ظنيَّة فيما بقي، وما نقل في من الخلاف ضعيف، وفي صحته نظر، ومثال ذلك احتجاج عليٍّ وعثمان - رضي الله عنهما - على تحريم الجمع بين الأختين بمِلْك اليمين بقوله - تعالى -: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} [النساء: 23]، وعلى إباحته بقوله - تعالى -: {إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} [المؤمنون: 6]، فحاصل الآيتين: أنَّه يجوز الجمع بين الأختين في مِلْك اليمين، ويحرم في الوطء.
    والمذاهب الأربعة غير الحنفية على أنَّ العام المحفوظ أقوى من العام المخصوص، ويُقدَّم عليه عند التعارض، وكثرة المخصِّصات تُضعِف دلالة العام.

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء أبريل 24, 2018 8:25 am