مصري فيت

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته نامل ان تكون في اتم صحه وعافيه
مصري فيت

منتدي لعلوم الطب البيطري وما يشملها


    كتاب اصول الفقه الذي لايسع الفقيه جهله-5

    شاطر

    admin
    Admin

    المساهمات : 2529
    تاريخ التسجيل : 22/03/2010
    العمر : 56
    الموقع : O.KATTAB@YAHOO.COM

    كتاب اصول الفقه الذي لايسع الفقيه جهله-5

    مُساهمة من طرف admin في الجمعة مارس 06, 2015 11:49 pm

    المنطوق والمفهوم
    المنطوق: هو المعنى المستفاد من صريح اللفظ.
    والمفهوم: هو المعنى اللازم للفظ، ولم يصرَّح به فيه.
    والأولى التقسيم إلى:
    دلالة المنظوم، وهي: كل دلالة الوضع اللغوي، وتشمل دلالةَ المطابقة، ودلالة التضمن.
    ودلالة غير المنظوم، وهي: دلالة الالتزام، وهي دلالة اللفظ على معنى خارجي لازم للمنطوق به. ويشمل دلالةَ الاقتضاء، ودلالةَ الإشارة، ودلالة الإيماء، ودلالة المفهوم.
    1- دلالة الاقتضاء:
    هي دلالة اللَّفْظ على معنى مسكوت عنه يجب تقديره لصِدْق الكلام، أو لصحته شرعًا أو عقلاً، والمعنى المدلول عليه بالاقتضاء يُسمَّى المقتضى، أو المضمر، وهو ثلاثة أنواع:
    ما يجب تقديره لصِدق الكلام، ومطابقته للواقع، مثل دلالة قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((لا وصيةَ لوارث)) على المقدَّر المحذوف، والتقدير: "لا وصية نافذة".
    ما يجب تقديره لصحَّة الكلام شرعًا، مثل قوله - تعالى -: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184]، فها هنا محذوف يجب تقديرُه حتى يصحَّ الكلام شرعًا، وهو عبارة "فأفطر"، للاتفاق على أنَّ مَن صام فلا قضاءَ عليه.
    ما يجب تقديرُه لصحة الكلام عقلاً، مثل: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف: 82]، فالعقلُ يقضي بأنَّ القرية لا تُسأل والتقدير: "أهلَ القرية".
    وقد اختلفوا في عموم المقتضى:
    فذهب بعضهم إلى عمومه، واحتجُّوا بأنَّه إذا أمكن تقديرُ معنى عام لا يمكن أن نقدِّر الأخص منه، إلا بدليل، وذهب بعضُهم إلى أنه لا يعمُّ، واحتجوا بأنَّ التقدير خلافُ الأصل، فيُكتفَى منه بما يُصحِّح الكلام من غير زيادة، والقول الحق في ذلك: أن يُقدَّر ما دلَّ العُرْف عليه.
    مثال ذلك قوله - تعالى -: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3] قال الأوَّلون: نقدر الانتفاع حتى يكون أعمَّ، وقال الآخرون: نقدر الأكْل.
    2- الإشارة:
    وهي المعنى اللازم من الكلام الذي لم يُسقِ الكلام لبيانه، مثل فَهْم جواز أن يصبح المسلم جنبًا في رمضان؛ لأنَّه جاز له الجِماع طوال اللَّيْل إلى الفجر بدليل قوله - تعالى -: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} [البقرة: 187].
    3- الإيماء:
    وهو فهْم التعليل من ترتيب الحُكم على الوصْف المناسب.
    مثاله قوله - تعالى -: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38]، فالعلة هي السَّرِقة.
    4- المفهوم، وهو نوعان:
    الأول: مفهوم الموافقة، وهو المعنى الثابت للمسكوت عنه الموافِق لِمَا ثبت للمنطوق؛ وذلك لكون المسكوت:
    أولى بالحُكم من المنطوق، كما في قوله - تعالى -: {فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الإسراء: 23]، فإنه يدلُّ بطريق الأوْلى على تحريم الضَّرْب والشتم.
    أو مساويًا له، كقوله - تعالى -: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا} [النساء: 10]، فإنه يدلُّ على تحريم كلِّ ما فيه تفويت لمال اليتيم.
    ويكون مفهوم الموافقة قطعيَّ الدلالة، أو ظنيًّا، أو ضعيفًا.
    الثاني: مفهوم المخالفة (دليل الخطاب):
    وهو الاستدلال بتخصيص الشيء بالذِّكْر على نفي الحُكم المذكور في المنطوق عمَّا عداه.
    وسُمِّي مفهوم مخالفة؛ لأنَّ الحكم الذي يثبت للمسكوت نقيضٌ للحكم المنطوق به، وهو أنواع:
    1- مفهوم الصفة: ويُقصد بها ما هو أعمُّ من النعْت عند النُّحاة، فيشمل النعت، والحال، والجارَّ والمجرور، والظرف، والتمييز، ومثاله: قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((في سائمة الغَنمِ إذا كانت أربعين ففيها شاة))، فتخصيص السائمة بالذِّكْر يدلُّ على أنَّ المعلوفة لا زكاة فيها.
    2- مفهوم الشرط: مثاله حديث: أعلى المرأة غسل - يا رسول الله - إذا هي احتلمتْ؟ قال: ((نعم، إذا رأتِ الماء))، فيُفهم من هذا أنها إذا لم تَرَ الماء، فلا غُسْلَ عليها.
    3- مفهوم العدد: وهو ما يُفهم من تعليق الحُكمِ على عدد مخصوص، والذي يظهر: أنَّه داخل في مفهوم الصِّفة، ومثاله: قوله - تعالى -: {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [النور: 4] دالٌّ بمفهومه على عدم جواز ما زاد أو نقص عنها.
    4- مفهوم الغاية: وهو ما يُفهم من مدِّ الحكم إلى غاية بإحدى أدواتها، وهي: (إلى، حتى، اللام)، ومثاله حديث: ((لا زكاةَ في مال حتى يحول عليه الحَوْل))، فمفهومه دالٌّ على وجوبها عند تمام الحول.
    5- مفهوم التقسيم: وهو ما يُفهم من تقسيم المحكوم عليه قِسمين فأكثر، وتخصيص كلٍّ منها بحكم، والذي يظهر: أنَّ هذا النوع داخلٌ في مفهوم الصفة، ومثاله: قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((الثيِّب أحقُّ بنفسها، والبِكر تُستأذن))، فمفهومه: أنَّ كل قسم يختص بحُكمه.
    6- مفهوم اللقب: وهو ما يُفهم من تخصيص الاسم المجرَّد بالحُكم من نفي الحُكم عمَّا عداه، ومثاله: قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((لا تبيعوا الذهبَ بالذهب، إلاَّ مِثْلاً بمِثْل))، مفهوم اللقب: أنَّ ما ليس ذهبًا يجوز بيعه بمثله، أو غيره من غيرِ مماثلة.
    حجية مفهوم المخالفة:
    مفهوم المخالفة بأنواعه الخمسة الأولى حُجَّة عند الجمهور، مع اختلافهم في قوَّة كلِّ نوع من أنواعه، ومن أدلتهم ما روى يَعْلى بن أميَّة قال: قلت لعمر بن الخطاب: ألم يقل الله – تعالى -: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء: 101]، فقد أَمِن الناس؟ فقال: عجبتُ مما عجبتَ منه، فسألتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ((صَدَقة تصدَّق الله بها عليكم، فاقْبلوا صدقَتَه))؛ رواه مسلم.
    وذهب أكثرُ الحنفية إلى عدم حُجِّية مفهوم المخالفة مطلقًا، واستدلوا بأدلة، أهمها: أنَّ القرآن والسُّنة مليئان بالنصوص التي فيها تعليق الحُكم على وصْف أو عدد أو غاية، ولا يكون نفي الحُكم عمَّا سوى المذكور مرادًا باتفاق الصحابة.
    ويجاب عليه بأنَّ تلك المواضعَ لم تتوافرْ فيها شروط الاحتجاج الآتي ذِكْرُها.
    والراجح - إن شاء الله - هو قولُ الجمهور، وهو أنَّ مفهوم المخالفة حُجَّة بأنواعه كلِّها سوى مفهوم اللقب، فليس بحجَّة على الصحيح عند جماهير العلماء؛ لأنَّه لو كان حُجَّةً، لكان الثناء على الرسول - صلى الله عليه وسلم - ووصفه بالرِّسالة قدحًا في بقية الرسل، وإنكارًا لرسالتهم.
    شروط العمل بالمفهوم:
    يُشترط للعمل بالمفهوم شروط، أهمها:
    ألاَّ يكون تخصيص المذكور بالذِّكْر جرى مجرى الغالب، فإن كان كذلك فلا يُحتجُّ به، ومثاله قوله - تعالى -: {وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ} [النساء: 23]، فالغالب أن تكون بنتُ الزوجة معها عند زوجها الثاني، وهذا لا مفهومَ له.
    ألاَّ يكون حكم المذكور جاء لكونه مسؤولاً عنه، أو بيانًا لحُكم واقعة، ومثَّلوه بقوله - تعالى -: {لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} [آل عمران: 130]، فإنه لا يدلُّ على جواز أكْل الربا إذا كان قليلاً؛ لأنَّ الآية بيان لأمر واقع.
    ألاَّ يكون المذكور في اللفظ قد سبق ذكْرُه حتى يكون معهودًا.
    ألاَّ يكون المسكوت عنه أوْلى بالحُكم من المذكور، فإن كان كذلك، فإنَّه يكون من مفهوم الموافقة. ومثاله قوله - تعالى -: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاَقٍ} [الإسراء: 31]، فلا يُفهم منه جوازُ قتلهم من دون خشية الفقر.
    ظهَر أثر الخلاف في مسائل كثيرة، مثالها: الاستدلال بمفهوم الشرْط في قوله - تعالى -: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} [النساء: 25]، فالجمهور استعملوا مفهومَ المخالفة للدلالة على أنَّ المستطيع لمهر الحُرَّة ليس له أن ينكح الأَمَة، والحنفية قالوا: إنَّ الآية سكتَتْ عن المستطيع، والأمَةُ من النساء تدخل في عموم قوله - تعالى -: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء: 3].
    جعل الحنفية الدلالة أربعة أقسام:
    1- دلالة العبارة: وهي دلالة اللفظ على المعنى المتبادَر فَهمُه من الصيغة، وتُقابِل دلالةَ المنطوق عند الجمهور.
    2- دلالة الإشارة: وهي دلالةُ اللفظ على معنى غيْر مقصود بسِياق الكلام، ولكنَّه لازمٌ للمعنى الذي سيق له، وهي قريبةٌ من دلالة الإشارة عندَ الجمهور، ومثالها: قوله - تعالى -: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ} [الحشر: 8]، تدلُّ على أنَّ الكفار إذا استولوا على أموال المسلمين يملكونها؛ لأنَّ الله سمَّاهم فقراء، مع أنَّ أموالهم تحت أيدي الكفَّار.
    3- دلالة الاقتضاء: وهي زيادة على المنصوص، يُشترَط تقديرها؛ ليصيرَ المنظوم مفيدًا، أو موجبًا للحُكم، وهذا كمصطلح الجمهور، وإنَّما وقع الخلاف في عموم المقتضى.
    4- دلالة النص: وهي التي يُسمِّيها الجمهورُ مفهومَ الموافقة.
    وأما مفهوم المخالفة، فيُسمِّيه الحنفية دلالةَ المخصوص بالذِّكْر على نفي الحكم عمَّا عداه، وهو عندهم ليس حُجَّةً - كما تقدم.
    دلالة اللفظ من حيث الظهور والخفاء:
    ينقسم اللفظ مِن حيثُ الخفاءُ والظهور إلى ثلاثة أقسام: النص، والظاهر، والمُجْمل.
    أولا: النص:
    لغة: الكشف والظهور.
    واصطلاحًا: ما دلَّ على معناه دلالةٌ لا تحتمل التأويل، كقوله - تعالى -: {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [النور: 4]، فهو نصٌّ في مقدار الجَلْد، والاحتمال الذي لا دليلَ عليه يُبقِي اللفظَ في مرتبة النص.
    ويُطلَق "النص" في مقابل الدليل العقلي، أو الدليل مِن المعنى، فيكون المقصود به النقل، سواء أكان نصًّا صريحًا، أم ظاهرًا، أم مُجْملاً.
    ثانيًا: الظاهر:
    لغة: الواضح.
    واصطلاحًا: ما احتمل معنيَيْن، هو في أحدهما أظهر.
    وقد يُطلقون لفظ "الظاهر" على المعنى الراجح، ومثاله: دلالة الأمر على الوجوب، مع احتمال الندب، وقد يُعرِّفون "الظاهر" بما كانت دلالتُه على المعنى دلالةً ظنيَّة، لا قطعية.
    وإذا ذُكِر "الظاهر" ذُكِر معه "المؤول"، وهو في اللغة: بمعنى المرجوع به.
    واصطلاحًا: هو اللفظ المحمول على الاحتمال المرجوح بدليل.
    والتأويل الصحيح: حمْل اللفظ على الاحتمال غير المتبادَر للذهن بدليلٍ قوي، يقتضي ذلك، ومثاله: قوله - تعالى -: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} [النحل: 98]، تأويله: إذا أردتَ قراءة القرآن.
    أما التأويل الفاسد: فيستند إلى دليل ضعيف، ومثاله: تأويل قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لغيلان: ((أمسك منهنَّ أربعًا، وفارق سائرهنَّ))، بإمساك الأرْبع الأُول منهنَّ.
    لصحة التأويل شرطان:
    1- أن يكون اللفظ محتملاً للمعنى الذي يُراد صَرْفُه إليه في لغة العرب، أو في عُرْف الاستعمال.
    2- أن يقوم على التأويل دليلٌ صحيح.
    تنبيه:
    لفظ التأويل جاء في نصوص الشَّرْع للمعاني التالية:
    1- ما يَؤول إليه الأمر، كقوله - تعالى -: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ} [آل عمران: 7] بناءً على الوقف عندَ لفظ الجلالة.
    2- التفسير، ومنه قوله - تعالى -: {وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلاَمِ} [يوسف: 44].
    3- صَرْف اللفظ عن معناه الصحيح إلى معنًى فاسدٍ غير مراد، ودليله قوله - تعالى -: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} [آل عمران: 7].
    وقد دلَّ الاستقراء على أنَّ التأويل يشمل المحمودَ والمذموم.
    ثالثًا: المجمل:
    لغة: المبهم.
    واصطلاحًا: "ما دلَّ على أحد معنيَيْن لا مزية لأحدهما عن الآخَر بالنسبة إليه".
    فقولهم: "على أحد معنيين" أخرج النص، وقولهم: "لا مزيةَ لأحدهما على الآخَر" أخرج الظاهر.
    وقولهم: "بالنسبة إليه"؛ أي: بالنظر إلى اللفظ المجمل وحدَه؛ لأنَّ الإجمال لم يعد باقيًا في النصوص التكليفية بعدَ كمال الشريعة، كقوله - تعالى -: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141]، فقد بيَّنتْ نصوصٌ أخرى مقاديرَ الزكاة.
    أما النصوص المجملة الباقية على إجمالها، فلا يتعلَّق بها تكليف، ومثالها: الحروف المقطَّعة في أوائل بعض السور، وقد سَمَّى كثير من العلماء هذا النوْع بالمتشابه، كما قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} [آل عمران: 7].
    وقد اختلف القُرَّاء في الوقف، فمَن وَقَف عند لفظ الجلالة، قال: إنَّ المتشابه ما استأثر الله بعلمه، ومَن وقف عند لفظ العلم، قال: إنَّ الراسخين في العلم يعلمون ما اشتبه على غيرهم.
    وللإجمال أسباب أهمها:
    1- الاشتراك اللفظي:
    وهو تردُّد اللفظ عند العرب بين معنيَيْن فأكثر، ولا يوجد في النص ما يدلُّ على المراد منه صراحةً، مثل "القُرء" يحتمل الطهر، والحيض.
    2- اشتهار المجاز وكثرة استعماله:
    فقد يشتهر المجاز حتى يصبحَ مساويًا للحقيقة في الاستعمال، مثل لفظ "النِّكاح" فإنَّه في أصل اللغة للوطء، واشتهر مجازًا على العقد.
    3- الإطلاق أو التعميم في موضع لا يمكن العملُ فيه بالمعنى الظاهر من اللفظ؛ لافتقاره إلى التحديد: ومثاله الأمر بالصلاة قبل بيان صفتها.
    الفرق بيْن المجمل والمشترك:
    الإجمال بالنسبة إلى الفَهْم، والاشتراك بالنسبة إلى وضْع اللفظ واستعماله.
    والإجمال أمرٌ نسبي، فقد يكون الدليل مجملاً عند عالِم، ومبينًا عند غيره، وأما الاشتراك فمِن حيث اللغة.
    وأيضًا لم يبقَ لفظ مجمل في الأدلَّة الشرعية لا بيانَ له - على الأرجح من قولي العلماء - أما الاشتراك فلا أحدَ يدَّعي انتهاءَه من اللغة.
    تقسيم الحنفية دلالة اللفظ من حيث الوضوح والخفاء:
    قسَّموا واضح الدلالة إلى أربعة أقسام، رتَّبوها من الأدنى وضوحًا إلى الأعلى، وهي:
    1- الظاهر: وهو ما ظهر المرادُ به للسامع بصيغته.
    2- النص: وهو ما زاد وضوحًا على الظاهر بمعنًى في المتكلِّم لا في نفس الصِّيغة.
    3- المفسَّر: وهو ما ازداد وضوحًا على النص بمعنًى في النص، أو بغيره.
    4- المحكَم: وهو ما ازداد قوةً، وأُحكِم المراد به عن احتمال النَّسْخ والتبديل.
    وقسَّموا خفيَّ الدلالة أربعةَ أقسام رتَّبوها من الأقل خفاءً إلى الأكثر، على النحو التالي:
    1- الخفي: وهو اسم لِمَا اشتبه معناه، وخفي المراد منه، بعارض في الصيغة يمنع نيلَ المراد بها، إلاَّ بالطلب.
    2- المشكل: وهو عندهم ضدُّ النص، وهو قريبٌ من المجمل.
    3- المجمل: وهو اللفظ الذي لا يُفهم المراد منه إلا باستفسار المُجْمِل، وبيان من جهته يعرف به المراد.
    4- المتشابه: وهو اسمٌ لِمَا انقطع رجاء معرفة المراد منه لِمَن اشتبه فيه.
    البيان:
    لغة: الإيضاح والكشف.
    واصطلاحًا: يُطلق على الدليل الذي أوْضح المقصود بالمجمل، وهو المبيِّن، ويطلق على الخطاب الواضح ابتداءً، ويطلق على فِعْل المبيِّن.
    ويُطلَق "المبيَّن" على الدليل المحتاج إلى بيان، كالمجمل بعدَ ورود بيانه، كما يُطلَق على الخطاب الذي ظهر معناه ابتداءً، ولهذا اختلفتْ عبارات الأصوليِّين في تعريفه.
    مراتب البيان:
    البيان واجب على الرسول - صلى الله عليه وسلم - ويحصل بأمور، بعضها أقوى مِن بعض:
    1- القول: وهو الكلام المسموع، وقد حصَل غالبُ البيان للشريعة بهذا الطريق.
    2- الفعل: وهو أن يفعلَ النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يُبيِّن مجملَ القرآن، أو مجمل سُنَّة سابقة.
    3- الكتابة: والغالب ألاَّ تكون إلاَّ للبعيد عن المدينة.
    4- الإشارة: وذلك بأنْ يشير النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المراد بيده، أو بغير ذلك.
    5- التنبيه: وذلك بالإيماء إلى المعنى الذي يُعلِّق عليه الحُكمَ؛ حتى يكون عِلَّة له، مثل حديث: ((أينقص الرُّطَبُ إذا جفَّ؟)) إشارة إلى أنَّ العِلَّة في التحريم عدمُ تساوي الرطب والتمر.
    6- التَّرْك: والمقصود به أن يَتركَ النبي - صلى الله عليه وسلم - فِعْلَ الشيء مع قيام الداعي له، كما ترَك الوضوء مما مستْه النار، مع أنه كان يفعله، ففهم الصحابة النَّسْخ.
    والترك المطلق دليلٌ على عدم الوجوب، وأما إن كان مع وجود الداعي للفِعْل، فيدلُّ على عدم المشروعية، وقد يجعل الترك داخلاً في الفعل؛ لأنَّ الأكثر يعدُّونه فعلاً للضد.
    تأخير البيان:
    تأخير البيان إما أن يكون:
    تأخيرًا عن وقْت الحاجة، وهو الوقت الذي يحتاج فيه المكلَّف إلى البيان؛ ليتمكَّنَ من الامتثال، وقد نقل ابنُ السمعاني الاتفاقَ على امتناعه.
    أو تأخيرًا عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة؛ أي: من الوقت الذي يسمع فيه المكلَّفُ الخطاب إلى وقت الحاجة، إلى الفعل، وهو محل الخلاف:
    القول الأول: الجمهور على جوازه مطلقًا، واستدلُّوا بقوله - تعالى -: {وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43]، مع الأحاديث الكثيرة التي بيَّنت صفةَ الصلاة، ومقادير الزكاة، وهو الراجح.
    القول الثاني: المنع منه مطلقًا، ومن الأدلَّة: أن تأخير البيان عن الخِطاب فيه تجهيل للمكلَّف.
    القول الثالث: جواز تأخير بيان المجمل دون غيره، ومن أدلَّتهم: أنه ليس له ظاهرٌ يمكن العملُ به، فلا يلزم من تأخير بيانِه إيقاعُ المكلَّف في اعتقاد الخطأ.
    التخريج على قاعدة تأخير البيان:
    الشق الأول: خرَّجوا على عدم جواز التأخير قواعدَ كثيرة، أهمها:
    حُجِّية تقرير النبي - صلى الله عليه وسلم - لِمَا فُعِل، أو قيل بحضرته، أو في زمنه، وعَلِم به.
    ترْك الاستفصال في مقام الإجمال يُنزَّل منزلةَ العموم في المقال، والمقصود: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا سُئِل عن مسألة تحتمل أكثرَ من وجه، فأفتى فيها من غير استفصال مِنَ السائل دلَّ ذلك على أنَّ حُكم جميع الأوجه واحد.
    إجراء العام على عمومه، والمطلق على إطلاقه، إذا حَضَر وقتُ العمل، ولم يبيِّنِ الشرع للأمة تخصيصَ ذلك العام، أو تقييد المطلق.
    الشق الثاني: خرَّجوا على جواز التأخير اختلافًا في مسائلَ أصوليَّة، أهمها: أنَّ الحنفية جعلوا الخاص المتأخِّر عن العام ناسخًا لِمَا يقابله من أفراد العام؛ لأنَّهم منعوا تأخير البيان، والجمهور جعلوه مخصِّصًا للعام.
    الباب الرابع
    التعارض وطُرق دفْعه
    هذا من فوائدِ علم الأصول في العصور المتأخِّرة؛ لأنَّ المسائلَ الخلافيَّةَ أُنهكِتْ بَحثًا، فبقي للفقيه المعاصر الترجيحُ.
    تعريف التعارض:
    لغة: التقابُل.
    واصطلاحًا: تقابُل الدليلَيْن على سبيل الممانعة.
    والتعادُل لغة: التساوي، واصطلاحًا: جعَلَه بعضُ الأصوليِّين مساويًا للتعارُض، والصواب: أنَّه تساوٍ للدليلين من كلِّ وجهٍ، فيتساقطان، وينسدُّ بابُ الترجيح، وأما التعارُض، فيمكن تجاوزُه إلى الجَمْع، أو الترجيحِ.
    شروط التعارض:
    اشترط بعضُ الأصوليِّين لحصول التعارُض الشروطَ التاليةَ:
    التساوي في الثبوت، فلا تعارُضَ بين الكِتَاب وخَبَر الواحد - مثلاً.
    التساوي في القوَّة، فلا تعارُضَ بين النصِّ والظاهر.
    اتِّحادُ الوقت، وإلا قُدِّمَ المتأخِّرُ.
    اتِّحادُ محلِّ الحُكم.
    اتِّحادُ الجهة، فلو اختلفتْ فلا تعارُضَ، مثل النهي عن البَيْع بعدَ نداء الجمعة الثاني، مع الإذن فيه في غير هذا الوقت.
    اختلافُ الحُكم الثابت بكلٍّ من الدليلَيْن.
    وهذه الشروط التي يذكرها بعضُ الأصوليِّين لو تحقَّقت لانسدَّ بابُ الجمْع الترجيح، وامتنع القولُ بالنسخ؛ ولهذا لا بدَّ أنْ نعرفَ أنَّ اصطلاحَ الأصوليِّين والفقهاء في التعارُض يصدُقُ على التعارُض في الظاهر للمجتهد، ولو لم تتحقَّقْ فيه تلك الشروط، مع تحقُّق تقابل دليلين ظنيَّيْن، وتقاربهما في القوة عند المجتهد، ويُؤيِّدُ هذا قولُ الجمهور: إنَّ التعارُضَ بين الأدلَّة إنما هو في الظاهر، وليس في واقع الأمر.
    واختلف العلماءُ إذا تحقَّقت الشروطُ السابقةُ في الدليلَيْن المتعارضَيْن:
    فذهب بعضُهم إلى تخيير في العمل بأيِّهما شاء.
    وذَهَب بعضُهم إلى التوقُّف.
    وذهب بعضُهم إلى أنَّ على المجتهد أنْ يأخذَ بالأشدِّ.
    وذهب آخرون إلى أنَّ عليه أنْ يأخذَ بالأيسر.
    والراجح - إن شاء الله تعالى – أنْ يُقال: هذا قد يكونُ في حقِّ بعض المجتهدين دون بعضٍ؛ ولذا فإنَّ المجتهدَ إذا لم يترجَّحْ عنده دليلٌ، فيلزمُه التوقُّف والبحث، فإنْ حضر وقتُ العَمَل عَمِل بالأحوط، أو قلَّد الأعلمَ منه، وأما الذين يستفتونه، فليس له أنْ يُفتيَهم، بل عليه أنْ يدلََّهم على غيره من المجتهدين، ويُخبرهم أنَّه لم يترجَّحْ عنده شيءٌ.
    وأما المقلِّدُ الذي لا قُدرةَ له على فَهْم الأدلَّة، والموازنة بينها، ففرضُه سؤالُ مَن يثقُ في علمه ودِينه من العلماء، وأما طالبُ العلم القادر على التمييز، فإنْ تبيَّن له رجحانُ أحدِ القولين، أخذ به، وإلاَّ قلَّد عالمًا.
    اختلف العلماءُ في طرقُ دفعِ التعارُض الظاهريّ:
    فذهب الحنفيَّة إلى النَّسْخ إذا عُرِف التاريخُ، وإلا فالجَمْع، فإن لم يُمكنْ فالترجيح.
    وعند الجمهور المقدَّمُ هو الجمْع، فإن لم يُمكنْ فالنسخ، فإن لم يُعرف التاريخُ فالترجيح.
    وهذا بيانُ كلٍّ من هذه الطرق وأمثلتها.
    أولاً: الجمع:
    هو إظهارُ عدمِ التضادِّ بين الدليلَيْن المتضادَّين في الظاهر بتأويل كلٍّ منهما، أو بتأويل أحدهما.
    مثاله: حديث: ((ألاَ أُخبِرُكم بخير الشُّهداء؟ الذي يأتي بالشهادةِ قبلَ أنْ يُسأَلَها))، وحديث: ((إن بَعدَكم قومًا يخونون ولا يُؤتَمنونَ، ويَشهدون ولا يُستشهدون)).
    فالحديث الأول يدلُّ على مدحِ مَن يأتي بالشهادة قبلَ أنْ يُسألَها، والثاني يدلُّ على ذمِّه، فيُجمَعُ بينهما بحَمْل الأول على مَن لديه شهادةٌ لا يعلمُ بها صاحِبُ الحق، والثاني على مَن لديه شهادةٌ بحقٍّ، وصاحبُه يعلمُ بذلك، ولم يَطلبْ منه أنْ يشهد.
    ومثال بتأويل أحدِ الدليلين دون الآخَر: حمل العامِّ على الخاصِّ، والمُطلَقِ على المقيَّدِ.
    ثانيًا: النسخ:
    لغة: الإزالة.
    واصطلاحًا: رفْعُ الحُكمِ الثابتِ بخطابٍ متقدِّمٍ بخطابٍ متأخِّرٍ عنه.
    يذكرون في باب النسخ أمورًا قليلةَ الفائدة، والمفيد معرفةُ شروطه وطرقه، ودفْعه للتعارُضِ الظاهريّ.
    فأما كونُه طريقًا لدفْعِ التعارُض الظاهري، فلا خلافَ فيه بيْن الأئمة، وقد وردتْ أدلةُ ذلك في الكتاب والسُّنة، كقوله - تعالى -: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} [البقرة: 106]، وقول عائشة - رضي الله عنها -: "كان فيما أُنزلَ مِن القرآن: "عشرُ رَضَعَاتٍ معلوماتٍ يُحرِّمْن"، فنُسخْنَ بخمس رَضَعَات".
    وأما اختلافُهم في حقيقة النَّسْخ، أهو بيانٌ أو رفعٌ وإزالةٌ، فهو خلافٌ لفظيٌّ لا ثَمرةَ له.
    شروط الناسخ:
    أن يكونَ نصًّا من قرآنٍ أو سُنَّة، ومتأخِّرًا عن المنسوخ.
    أن يكونَ في قوَّة المنسوخ، أو أقوى منه؛ لأنَّ الله - تعالى - يقول: {بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} [البقرة: 106].
    وذهب أكثرُ الأئمَّة إلى أنَّ القرآن يمكن أن يُنسخ بالسُّنَّة المتواترة أو المشهورة، واستدلُّوا على ذلك بأنَّه ممكن عقلاً؛ لإمكان إخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - بنسخ حُكم نزلت في إثباته آية، وواقع شرعًا بدليل قوله - تعالى -: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7]، ومثاله الوصية للوالدين في قوله - تعالى -: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} [البقرة: 180]، نسخت بحديث: ((لا وصيةَ لوارث)).
    وأجابوا عن الاستدلال بالآية: {بِخَيْرٍ مِنْهَا} [البقرة: 106]، بأنَّ المراد هو الخيرية للمكلَّفين، والذي يظهر عدم الوقوع، وإن كان ممكنًا عقلاً، وما ذكروه من أمثلة محتمل، فمثلاً آية الوصية للوالدين منسوخة بآيات المواريث.
    أما نَسْخُ القرآن بالسُّنة الآحادية، فالجمهور على منعه، والذين أجازوه استدلُّوا بالوقوع، وبقياس النسخ على التخصيص، ومثَّلوا له بنسخ آية: {قُلْ لاَ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً} [الأنعام: 145]، بالنهي عن كلِّ ذي نابٍ من السِّباع، وكلِّ ذي مخلبٍ من الطير.
    وأُجيبَ عن الاستدلال بالقياس بأنَّه قياسٌ مع الفارق، فالنَّسْخ رفعٌ وإزالة، والتخصيصُ بيان أن المُخرَجَ غيرُ مرادٍ أصلاً، وأجيب أيضًا بعدم نسْخ الآية إذْ ليس فيها أنَّه لا يُمكنُ أنْ يُحرِّمَ عليهم غيرَ ما ذُكر.
    نسخُ القياس والنسخُ به:
    القياسُ لا يكون ناسخًا للكتاب والسنة؛ لأنه لا يُعتدُّ به إذا عارضهما، أما نسخُه تبعًا لأصْله فجائزٌ، ولم يجزْه الجمهور مع بقاء أصله، ولكنَّ الظاهرَ من صنيعهم أنَّهم منعوا تسميةَ ذلك نسخًا، مع أنَّهم لا يمنعون بقاءَ حُكمِ الأصل، والمنع من القياسِ عليه، إذْ لا قياسَ مع النصّ.
    ومنع الأكثرُون القياسَ على الأصل الذي نُسِخ حُكمُه.
    نسخ المفهوم والنسخ به:
    لا يجوز النسْخ بمفهوم المخالفة؛ لأنَّه أضعفُ من المنطوق، وأما نسخُه فجائز.
    ومثاله قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((الماء من الماء))، ومفهومه: أنَّه إذا لم يُنزِلْ فلا يَجبُ الغُسْل، نسخ بحديث: ((إذا مسَّ الخِتانُ الختانَ فقَدْ وَجَب الغُسل)).
    وأما مفهومُ الموافقة، فالجمهور على جواز النسخ به؛ لأنَّه كالمنطوق أو أقوى.
    وأما نسخه مع بقاء أصْله، فالأكثر على منْعه، ومنهم مَن جوَّزه مطلقًا، ومنهم مَن جوَّزه إذا كان المفهومُ أوْلى بالحُكم من المنطوق.
    طرق معرفة النسخ:
    يُعرف النسخُ بعدَّة طرقٍ، أهمها:
    1- النص على النسخ: كما في حديث: ((كنتُ نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها)).
    2- تأخُّر أحدِ النصَّين المتعارِضَين عن الآخر، ويُعرف بنصِّ الصحابي، أو بغير ذلك.
    3- اتفاق الصحابة على نسْخ أحد النصَّين بالآخر، كما ورد في نسْخ مفهوم حديث: ((الماء من الماء)).
    4- ترْكُ الصحابة والتابعين العملَ بالحديث من غير نصٍّ على النسخ، كما في حديث: ((قتل السارق في المرَّة الرابعة)).
    ثالثًا: الترجيح:
    لغة: مأخوذٌ من رُجحان الميزان.
    واصطلاحًا: بيانُ اختصاص الدليل بمزيد قوَّةٍ عن مُقابِلِه.
    شروط الترجيح:
    1- أنْ يكونَ بيْن الأدلَّة لا بيْن البيِّنات، أو الدعاوى.
    2- تحقُّقُ التعارُضِ في الظاهر بيْن الدليلَيْن المرجَّحِ أحدُهما.
    3- تعذُّرُ الجمعِ بيْن الدليلين.
    4- عدم معرفة تاريخ كلٍّ من الدليلين.
    حكم الترجيح:
    حُكِي الإجماعُ على وجوب العمل بالراجح من الدليلَين عند تعارضهما، ولم يَلتفتِ الفقهاءُ إلى المخالف، والدليل من وجوهٍ، أهمُّها: قوله - تعالى -: {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} [الزمر: 55]، وإجماعُ الصحابة والتابعين على ذلك.
    وجوه الترجيح:
    جرَتْ عادةُ الأصوليِّين أنْ يَفْصلوا الترجيحَ بيْن الأدلَّة النقلية عن الترجيح بيْن الأدلَّة العقليَّة.
    طرقُ الترجيح بين الأدلَّة النقليَّة:
    أولاً: الترجيح من جهة السند:
    وله طرق، أهمُّها:
    • كثرةُ الرُّواة: فيُرجَّحُ الخبرُ الذي رُواتُه أكثر، وقد خالف في هذا الحنفيةُ، والراجح قول الجمهور.
    • فقه الراوي: فتُقدَّم روايةُ الفقيه مطلقًا، وقيل: بل تُقدَّم إذا كانت الروايةُ بالمعنى، والأوَّل هو الراجح.
    • كونُ أحد الراويين صاحبَ الواقعة، أو له صلةٌ قويَّةٌ بما رواه.
    • كونُ أحدِ الراويين ممَّن تأخَّر إسلامُه.
    • قوَّةُ الحفظ والضبطِ.
    • يُقدَّمُ المسنَدُ على المرسَلِ.
    ثانيًا: الترجيح من جهة المتن:
    وله طرقٌ أهمها:
    • ترجيحُ الخاصِّ على العامِّ، والأخص من العامَّين على الأعمِّ منهما.
    • ترجيح العامِّ المحفوظ على العامِّ المخصوص.
    • ترجيحُ ما قلَّتْ مخصِّصاتُه على ما كَثُرت مخصِّصاتُه.
    • ترجيحُ العامِّ المطلَق على العامِّ الوارد على سببٍ في غير صورة السبب، حيث قال بعضُ العلماء بقَصْره على سببه، ومثال ذلك: تقديمُ حديث: ((مَن بدَّلَ دِينَه فاقتلوه))، على حديث "النهي عن قتْل النساء والصِبيان"، فإنه واردٌ على سببٍ، وهو الحربُ.
    • ترجيحُ الخبر الدالِّ على المراد مِن وجهين على الخبر الدالِّ عليه من جهةٍ واحدةٍ، مثل تقديم حديث: ((إنما الشُّفعةُ فيما لم يُقسمْ، فإذا وقعتِ الحدودُ، وصُرِّفت الطرقُ فلا شُفعةَ))، على حديث: ((الجارُ أحقُّ بصَقَبِه)).
    • ترجيحُ ما فيه إيماءٌ إلى العِلَّة على ما ليس كذلك، مثل حديث: ((مَن بدَّلَ دينَه فاقتلوه)) على حديث "النهي عن قتل النساء".
    • ترجيحُ ما سِيقَ لبيان الحُكم على الدالِّ على الحُكم بلفظه مِن غير أنْ يُساقَ لبيانه، مثل: ترجيحُ الحنفية أحاديثَ النهي عن بيْع الملامسة والمنابذة على عموم قوله - تعالى -: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275]؛ فإن الآيةَ لم تُسقْ لبيان حُكم البيع بجميع صوره.
    • ترجيحُ الناقل عن حُكم الأصل على الموافق لحُكمه، وهو البراءةُ الأصليةُ، وهذا مذهب الجمهور، مثاله: ترجيحُ أحاديثِ تحريمِ الحُمُرِ الأهليةِ على الأحاديث التي فيها إباحتُها.
    • ترجيحُ ما يقتضي الحظْرَ على ما يقتضي الإباحة؛ لأنَّه أحوطُ.
    • ترجيحُ المثبِت على النافي؛ لأنَّ مع المثبت زيادةَ علمٍ، وخَصَّ ذلك بعضُ الأصوليِّين بما إذا لم يذكر النافي سببًا واضحًا، وهو تفصيلٌ حسنٌ.
    • ترجيحُ النصِّ على الظاهر، والحقيقةِ على المجاز.
    • ترجيحُ المنطوقِ على المفهومِ المخالِفِ.
    ثالثًا: الترجيحُ لأمر خارجيّ:
    وله طرق، منها:
    • اعتضادُ أحدِ الخبرين بموافقة ظاهِر القرآن.
    • ترجيحُ القول على الفعل المجرَّد؛ لأنَّ الفِعل إذا لم يصحبْه أمرٌ، احتمل الخصوصيةَ للرسول - صلى الله عليه وسلم -.
    • ترجيحُ ما كان عليه عملُ أكثر السلف.
    • تقديم الخبر الذي وافق القياسَ.
    • ترجيحُ الخبر المقتَرِن بتفسير راويه له بقَولٍ أو فعلٍ، كما في حديث "خِيار المجلس"، فقد فسَّره ابن عمر بالتفرُّق بالأبدان.
    الترجيح بين محامل اللّفظ الواحد:
    تقديمُ الحقيقة على المجاز: ومثاله ترجيح مذهَب أهل السُّنَّة في حمل صِفات الله - تعالى - على الحقيقة.
    وأما إذا كانت الحقيقةُ مهجورةً، فإنَّ المجازَ يُصبحُ حقيقةً عرفيةً، ويقدَّمُ عليها، كمَن حَلَف لا يأكلُ من هذه النخلة، فيُحمَلُ على الأكْل من ثمرها.
    وإذا كان المجازُ غالبًا على الحقيقة مع بقاء استعمال اللفظ في حقيقته، ففيه خلافٌ، ليس هذا موضعَ بسطه.
    ترجيحُ الحقيقةِ الشرعية على الحقيقة اللُّغوية:
    مثاله: حملُ لفظ الصلاة على الصلاة الشرعيَّة في حديث: ((لا تُقْبل صلاةٌ بغير طهورٍ))، مع أنَّ معناها في اللُّغة هو الدعاء.
    تقديمُ الحمل على المجاز على الحمل على الاشتراك؛ لأنَّ المجازَ يُمكنُ العملُ به، بخلاف المشترَك فيجبُ التوقُّفُ فيه على البيان، ولأنَّ المجازَ أكثرُ وقوعًا في اللُّغة من الاشتراك، ومثال ذلك: لفظ "النكاح" في قوله - تعالى -: {وَلاَ تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء: 22]، فإنه يحتمل أن يكون مشترَكًا بين الوطء والعقد، ويحتمل أن يكون مجازًا في العَقْد.
    تقديمُ المعنى الذي لا يحتاج إلى إضمارٍ على المعنى الذي يحتاج إلى إضمار: مثاله حديث: ((ذكاةُ الجنين ذكاةُ أمِّه)) حمله الجمهور على أنَّ ذكاةَ أمِّه تكفي عن ذكاته، والحنفية قالوا: لا بدَّ أنْ نُضمر (مثل)؛ ليكونَ المعنى: مثل ذكاة أمِّه.
    تقديمُ التأسيس على التأكيد:
    والمرادُ بالتأسيس: حملُ الزيادة في اللَّفظ على زيادة المعنى.
    والتأكيدُ: حملُ الزيادة على تأكيد المعنى السابق.
    مثاله: إذا قال الرجلُ لزوجته: أنتِ طالقٌ طالقٌ، فعلى التأكيد فلا تقعُ إلاَّ واحدةً، وعلى التأسيس طلقتان.
    الترجيحُ بين المعقولين: المقصود به هنا هو الأقيسة، وأما الترجيحُ بيْن طرق الفقه الأخرى، كالاستحسان والاستصحاب، فيُعرف عندَ الكلام عنه.
    وقد ذكر الأصوليُّون كثيرًا من طرق الترجيح بيْن الأقيسة، بعضُها يرجع إلى ترجيح حُكم أصولها أو أدلتها، ويذكرون فيه طرقَ الترجيح المتقدِّم ذكرها، ثم يزيدون عليها طرقَ الترجيح بيْن العِلل.
    والمتأمِّل لتلك الطرق يجدُ أنها لم تستوعبْ جميعَ الاحتمالات الممكنة في التعارُض؛ لأنَّ بعضَ الأقيسة قد تكونُ فيه صفةٌ تُميِّزه، والصواب أنْ يتركَ الأمر للمجتهد، فينظرَ في أركان القياسين، ثم يُقدِّم ما يراه راجحًا، وهكذا يرجح جملةَ قياسٍ على قياسٍ، وليس الأدلَّة والأركان، وحيثُ إنَّ العِلَّةَ هي أهمُّ أركانِ القياس، فإنَّ أكثرَ طرق الترجيحِ ترجِعُ إليها.
    وفيما يلي أهم طرق الترجيح بين الأقيسة:
    1- تقديمُ القياس في معنى الأصْل على قياس العلَّة، وقياس الشَّبَه، مثل: تقديم قياس العَبْد على الأَمَة في تنصيف الحدِّ، على قياسه على الحُرِّ الذَّكَر بجامع الذُّكورة.
    2- تقديمُ قياس العِلَّة على قياس الشَّبَه، وقياس الطَّرْد، مثل: تقديمُ قياس (البيرة) المُسكِرة على الخمر بعلَّة الإسكار، على قياسها على عصير التفاح للتشابُه بينهما في الصورة والشكل.
    3- تقديمُ القياس الذي عِلّتُه مطَّرِدةٌ منعكِسةٌ، مثاله: تقديمُ تعليل الرِّبا في الأصناف الأربعة المذكورة في الخبر (البُرّ، والتَّمْر، والشَّعير، والمِلْح) بالطُّعم؛ لأنَّه يشملُ القليلَ والكثيرَ، والتعليلُ بالكَيْل لا يَشملُ الشيءَ اليسيرَ الذي لا يُكال، فيصار إلى التعليل بالكيل.
    4- تقديمُ القياس الذي علَّتُه منصوصة، أو مومأ إليها على غير المنصوصة، وغير المومأ إليها، مثاله: تقديمُ قياس التِّين على البُرّ في تحريم التفاضُل بجامع الطُّعم، على قياس التين على القَصَب بجامع عدم الكيل.
    5- تقديمُ القياس الذي علّتُه مُثبتةٌ على الذي علَّتُه نافية، كما في المثال السابق حيث علّة الطُّعم مُثبِتةٌ، وعلّةَ عدمِ الكيل نافية.
    6- تقديمُ القياس الذي ثبت حكمُ أصله بالنصِّ على الذي ثبت حُكم أصله بالظاهر، مثاله: تقديمُ قياس المَذْي على البَوْل، على قياس المذي على المنيّ؛ لأنَّ نجاسةَ البول ثبتتْ بالنصّ، وأما المنيُّ فطهارتُه ثابتةٌ بالظاهر.
    7- تقديمُ القياس الموافِق للأصول الثابتة في الشرع على ما ليس له إلاَّ أصلٌ واحدٌ، مثاله: ترجيحُ قياس الجنايةٍ على العبد على سائر الإتلافات التي تحدُث من الإنسان، على قياسها على دِيَة الخطأ في كون دِيتِه على العاقلة.
    8- تقديمُ القياس الموافق لظاهر قرآن أو سُنةٍ أو قول صحابيٍّ، مثل: تقديم قياس الاستصناع على البيع والإجارة على قياسه على بيْع المجهول.



      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء أبريل 24, 2018 8:38 am